وقد نبَّه سبحانه وتعالى على هذا المعنى بقوله:
{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ 10} كِرَامًا كَاتِبِينَ {11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار 10 - 12]
أي: استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم، وأجلّوهم أن يروا منكم ما تستحيون أن يراكم عليه مَن هو مثلكم، والملائكة تتأذى ممَّا يتأذى منه بنو آدم، فإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟
وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول في قوله تعالى:
{وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق:21]
ما على أحدكم إذا خلا أن يقول اكتب رحمك الله، فيملي خيرًا
وكان أحدهم إذا خلا يقول: أهلا بملائكة ربي، لا أعدمكم اليوم خيرًا، خذوا على بركة الله، ثم يبدأ في ذكره، سبحان الله، والحمد لله إلخ
ثالثًا: الاستحياء من الناس:
االاستحياء من الناس خلق حسن جميل، يمنع من المعايب ويشيع الخير والعفاف، ويعود النفس ركوب الخصال المحمودة
1 قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:"لا خير فيمَن لا يستحي من الناس"
2 وقال بعضهم:"أَحْي حياؤك بمجالسة مَن يستحيا منه"
3 وقال مجاهد: لو أن المسلم لم يصيب من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي لكفاه.
وقد نصب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحياء حكمًا، على أفعال المرء، وجعله ضابطًا وميزانًا
فقد أخرج الإمام مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهتَ أن يَطَّلِع عليه الناس"
وأخرج ابن حبان بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما كرهت أن يراه الناس فلا تفعله إذا خلوت"وفي كتاب"الزهد"للإمام أحمد بسند جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي استوصاه:
"أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك"
فلا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح أمام الرجل الصالح، فكيف وأن المُطَّلِع عليه هو الله؟؟ فمَن استحيَ من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه، تجنب جميع المعاصي، فيا لها من وصية ما أبلغها، وموعظة ما أجمعها