الصفحة 13 من 59

ولم تقتصر فلسفة باريمندس على ماهو كينوني ولاهوتي فحسب، بل تناول كذلك النفس الإنسانية على غرار الفلاسفة اليونانيين عامة. بيد أنه أثبت أن النفس هي عين وجود الإنسان. وهي أساس فكره. وهي التي تحركه عضويا وذهنيا ووجدانيا وحركيا. وهنا، تحضر الروح بدلالة النفس والعقل والفكر. وبالتالي، فالنفس أو الروح هي التي تتحكم في الإنسان، وتحرك نبضاته المتدفقة على مستوى الوجود والتواجد الحضوري.

"وكما يوجد في كل واحد خليطا"

من الأعضاء ذات الحركات المختلفة

كذلك توجد الروح حاضرة لدى الناس

لأن ما يفكر في طبيعة الناس جماعة وفرادى

لأن المسيطر هو الفكر. [1] ""

وانسجاما مع وحدة الوجود، يلاحظ أن باريمندس يجعل الفكر والنفس ذا طبيعة كينونية واحدة، فالفكر هو النفس، والنفس هي العقل كذلك. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على التصور المثالي لباريمندس الذي يرفض الفصل بين جوهرين عقليين وروحيين هما: الفكر والنفس.

وكان سقراط ينظر إلى الحقيقة في ذات الإنسان، وليس في العالم الخارجي، وما على الإنسان إلا أن يتأمل ذاته ليدرك الحقيقة. لذلك، قال قولته المأثورة:"أيها الإنسان أعرف نفسك بنفسك".

ويدل هذا على أن سقراط لم يهتم بالموضوعات الخارجية، أو يعنى بالطبيعة الفيزيائية أو الماورائية، بقدر ما اهتم بتحليل مدركاتنا المماثلة لهذه الأشياء. ومن هنا، يقر أنه لابد للمرء أن يبدأ بمعرفة ذاته، قبل معرفة العالم الخارجي، وقبل الخوض في العوالم الميتافيزيقية الأخرى، فالإنسان هو الأول والمنتهى. ومن هنا، فقد كانت الحقيقة عند سقراط مبنية على معرفة الذات، أو معرفة النفس البشرية. وبالتالي، فقد كانت الذات مبدأ حقيقيا للمعرفة، ولم يكن هدفه هو الهدم كما عند السوفسطائيين، بل كان مبتغاه الحقيقي هو البناء الفلسفي عن طريق الحوار والجدل والتوليد والتعريف والاستدلال [2] .

(1) - نقلا عن عزالدين الخطابي وإدريس كثير: في الحاجة إلى إبداع فلسفي، منشورات الزمن، المغرب، العدد 48، الطبعة الأولى 2006 م، ص:50 - 51.

(2) - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978 م. ص:15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت