الصفحة 14 من 59

وقد بالغ سقراط في تقديس العقل على حساب العاطفة والوجدان، وقد اعتبر الحب نوعا من العبودية. وهذا ما جعل نيتشه يثور على عقلانية سقراط في كتابيه: (نشأة التراجيديا) و (أفول الأصنام) [1] .

علاوة على ذلك، فقد تبنى سقراط، في دراسة النفس الإنسانية والتصورات الأخلاقية، منهج الاستقراء العقلي، والقياس الاستدلالي الذي يبدأ بالتعاريف النظرية الكلية، ثم يعقب ذلك سرد الأمثلة والوقائع والأحداث بغية الوصول إلى النتيجة النهائية، أو تحديد الماهيات تحديدا دقيقا. لذلك، أعطى الأولية لما هو ذاتي وعقلي. وبذلك، يكون ممهدا حقيقيا للفلسفة المثالية عند أفلاطون. وبهذا، يكون سقراط معروفا بالتعريف الكلي من جهة، والاستدلال القياسي الاستقرائي من جهة أخرى.

أضف إلى ذلك أن سقراط لم يكن يعلم الشباب الفلسفة، بل كان يدفعهم إلى التفلسف الصحيح، وممارسة التفكير العقلاني في أمور الحياة والنفس والأخلاق. وهذا ما لم تقبل به الدولة الحاكمة التي حكمت على سقراط بالإعدام. ويعني هذا السلوك، في الحقيقة، إعدام للعقل اليوناني، ومنع لحرية التعبير.

وقد ظهرت المدرسة الرواقية (Le stoicisme) [2] بأثينا مابين 301 و 304 قبل الميلاد، مع زينون الرواقي (Zenon de Cition) ، وتلميذيه قلاينتوس (Cleanthe d'Assos) وقريسيبوس (Chrysippe) [3] . وسميت هذه المدرسة بهذا الاسم نظرا لكون فلاسفتها كانوا يعقدون اجتماعاتهم بأروقة في مدينة أثينا، أو كانوا يقدمون دروسهم في الرواق. وكانت لزينون الرواقي مؤلفات عدة، منها: الجمهورية، حول الملكية، حول الزواج، والمقابلات، وضد قوانين أفلاطون. . . بيد أن هذه الكتب قد ضاعت.

وقد تشكلت هذه الفلسفة في المرحلة التي ظهرت فيها الأبيقورية، وكانت الفلسفتان معا متعارضتين. وقد بقيت هذه الفلسفة مدة طويلة، وقد أغناها الفلاسفة والحكماء الرومانيون، أمثال: صولون (Chrysippe de Soles) ، وشيشرون (Ciceron) ، وسنيكا (Seneque) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت