الصفحة 17 من 59

أما فيما يخص العالم أو الكون الكوسمولوجي، فلا يقول أبيقور بعالم واحد كما عند أفلاطون وأرسطو، بل بتعدد العوالم والأكوان التي تخضع لعملية النمو والفناء. وبالتالي، تتكون هذه الأكوان من عدد لامتناه من الذرات التي تتحرك في الفراغ اللامتناهي. ومن هنا، فالعالم ذري من حيث الأساس الأنطولوجي والكسمولوجي، ومتعدد من حيث العوالم والأكوان التي تتشابه مع عالمنا أو قد تختلف عنه.

أما فيما يتعلق بالأخلاق، فقد دافع أبيقورعن فلسفة المتعة التي تترابط مع المعرفة المادية الحسية، وتتكامل مع البحث الدائم عن السعادة المادية الحقيقية للحد من الهموم والآلام، وخاصة الخوف والموت. ويعني هذا أن اللذة عند أبيقور تتخذ طابعا ماديا وحسيا. أي: يسعى الإنسان دائما لإزالة الألم والعناء والشقاء بتحقيق لذاته المادية والحسية. ولكن السعادة لاتتحقق إلا بالحكمة والتعقل، ومراعاة فضيلة العدالة والأمانة بالنظر إلى نوع اللذة التي قد تكون لذات ضرورية وطبيعية تزيل الألم عن الإنسان كالأكل والشرب والنوم، أو تكون لذات طبيعية، ولكن ليست ضرورية (اللذات الحسية والجنسية) ، أو لذات كمالية ليست طبيعية ولا ضرورية ينبغي الزهد فيها، كالرغبة في أكل معين، أو ملبس معين [1] .

ويقول أبيقور بآلهة مسلوبة الإرادة، ليس لها أي دور كوسمولوجي أو أنطولوجي، أو تأثير في الإنسان. أي: أنكر القضاء والقدر. واعتبر الإنسان حرا في تصرفاته الإرادية. وليس هناك أي مصدر خارجي يحرك العالم الكوني، بل هو قديم أزلي سرمدي.

لكن ما يلاحظ على أبيقور أنه لم يهتم بالمنطق العملي كما عند أرسطو، بل اهتم بالمنطق في جانبه النقدي، على أساس نقد المعارف والعلوم، وإبراز علامات الحقيقة، والبحث عن السبل المؤداة إلى اليقين، وتحصيل السعادة. ومن هنا، فقد حصر المعرفة في أربعة أنواع هي: الانفعال، والإحساس، والمعنى الكلي، والحدس الفكري. وبالتالي، فالانفعال هو الشعور باللذة والألم، والإحساس هو إدراك الأشياء عن طريق الحواس، أو هو الإدراك الظاهري. وكلما تكررت الأحاسيس شكلت ما يسمى بالمعاني الكلية في ذهن الإنسان. في حين، يعد الحدس الكلي استدلالا للتصديق، باستخراج تفاصيل العلم من نظرة إجمالية.

وهكذا، نخلص إلى أن أبيقور يمثل الفلسفة الذرية المادية من جهة، ويؤمن بفلسفة اللذة والمتعة الحسية من جهة أخرى. ويعني هذا أن السعادة الحقيقية عند أبيقور مبنية على اللذة الحسية المادية التي تذهب الألم عن الإنسان، وتريح ضميره، وتبعده عن الوساوس والمخاوف التي تنتابه من حين لآخر، بما فيها الخوف من الموت. ومن ثم، تهدف فلسفته المادية إلى نشدان الحياة اللذيذة السعيدة.

(1) - أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:366.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت