يكونوا من أهل الحقائق لأنهم قليلون، فضلا عن أن أهل الحقائق لا يلتزمون بالتواجد في هذه الأوقاف.
الثالثة: صوفية الرسم، وهم الذين اقتصروا على اللباس والآداب الوضعية، فهؤلاء بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم. [1]
وكما هو واضح: فإن شيخ الإسلام يفرق بين هذه المراتب بعضها البعض، فأعلاها المرتبة الأولى وهم أهل الحقائق، وأدناها أهل الرسم الذين يحاولون التشبه بأهل الحقائق، أهل الزهد والأخلاق، وليسوا منهم.
كما أن الواضح من كلام شيخ الإسلام أنه يقر الصنفين الأول والثاني دون الثالث، وإقراره للصنف الثاني ليس معناه جواز ترك العمل والعكوف للعبادة فحسب، فقد رد هذا المبدأ حينما نفى أن يكون أصل الصوفية هم أهل الصفة كما مر معنا.
تعرض شيخ الإسلام لعقيدة الصوفية، فذكر منهم من كان على عقيدة السلف كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، ثم بين أنه حينما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل الحديث وهم خيارهم وأعلامهم، وتارة على اعتقاد صوفية وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة [2] .
ويقول شيخ الإسلام التفريق في بين التصوف والفلسفة:"وأما ابن عربي وابن سبعين وغيرهما ونحوهما فحقائقهم فلسفية غيَّروا عبارتها وأخرجوها في قالب التصوف أخذوا مُخَّ الفلسفة فَكَسوه لِحاءَ الشريعة." [3] ، ولا يكتفي بذلك في كلامه على ابن عربي وابن سبعين، بل يصفهما بأنهما من ملاحدة الصوفية، وذلك لقولهم بالحلول والإتحاد [4] .
وبذلك يكون تقسيم شيخ الإسلام للصوفية أنهم ثلاثة أنواع:
الأولى: صوفية أهل الحديث، وهم الصوفية الأوائل كالجنيد والفضيل، وبالطبع فهم من تلقوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته.
الثانية: صوفية أهل الكلام، كالغزالي.
الثالثة: صوفية الفلاسفة، كالحلاج وابن عربي، والتلمساني.
(1) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 19 - 20)
(2) -انظر الصفدية (1/ 267)
(3) -انظر الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق (40)
(4) -انظر الصفدية (2/ 338)