فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 47

الموقف الرابع: الاستدلال بمنهجهم والنقل عنهم في بيان عقيدته لأهل الأمصار

وقد كان من منهج شيخ الإسلام في تصانيفه لأهل الأمصار لبيان عقيدته الاستشهاد بالصوفية الأوائل، مما يعني أنهم حجة له ولمخالفيه، ويرى أنهم أصحاب علم مستقل يسمى التصوف، وأن فهمهم ومنهجهم موافق لما عليه سلف الأمة، يقول شيخ الإسلام في مسألة المحبة وتأويلها:"وَالَّذِي عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها وَأهل السّنة والْحَدِيث وَجَمِيع مَشَايِخ الدّين وأئمة التصوف أَن الله مَحْبُوب لذاته محبَّة حَقِيقَة بل هِيَ أكمل محبَّة فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى الْبَقَرَة وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله". [1]

والمراد بأئمة التصوف في قول شيخ الإسلام هم المتقدمين منهم الذين كانوا أئمة من أئمة السلف، ليس المقصود منهم المبتدعة والمتفلسفين ومن خالفوا منهج السلف في العقائد والأعمال، وهذا يرد على من يستدل بأقوال شيخ الإسلام في التوثيق المطلق للصوفية المتقدمين عنه، فالشيخ كانت وفاته في القرن الثامن عام 728 هـ، وإلى هذه السنة قد مر التصوف بمراحله كلها، إلا أن مرحلته الأخيرة التي هي الطرقية التي مازالت مستمرة إلى الآن، فالمدح الصادر من شيخ الإسلام إنما كان في الصوفية الأوائل الذين كانوا على منهج السلف ومن تابعهم في هذا المنهح، وليس في المتأخرين منهم.

وحينما كان يرسل شيخ الإسلام للأمصار رسائله في العقيدة كان يرسل لهم مستدلا بأقوال أئمة التصوف، ففي رسالته لأهل حماة يقول مستشهدا بأقوال معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده ويلقبه بـ"الإمام العارف"، وينقل عنه عقيدته أن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول والكيف فيه مجهول، وأنه عز وجل بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من خلقه، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله عز وجل سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» ، ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه، ولا تأويل، وأن من أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا، كما كان ينقل من أقوال الفضيل بن عياض أنه كان ينسب عقيدة الرؤية للصوفية قاطبة لا يستثني منهم أحدا. [2]

(1) -انظر أمراض القلوب وشفاؤها (68)

(2) -انظر الفتوى الحموية الكبرى (373 - 374)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت