فقد نسبت له هذة الروايات الشطح المؤدي للحلول والاتحاد [1] ، لكنه حينما علم حاله ومقالاته تكلم فيه، فقد تكلم فيه وأشار إليه كما في جامع الرسائل [2] ، وقال عنه:"لهذا كانت فرقة ابن سبعين فيها من رجال الظلم جماعة منهم الحلاج - وعند جماهير المشايخ الصوفية وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من المشايخ الصالحين؛ بل كان زنديقا" [3] ، وقال في تبرؤ الصوفية الحقيقيين من الحلاج:"وَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْعَالِمُونَ بِحَالِ الْحَلَّاجِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ يُعَظِّمُهُ" [4] .
كان من منهج شيخ الإسلام التفريق بين أئمة التصوف المعتدلين وأتباعهم الذين غلوا فيهم، فإن الغلو قد حصل في الأنبياء، والصالحين، ولا يضرهم هذا الغلو بشيء لأنهم لم يأمروا به، ولم يشهدوه ليقروه، لذلك حينما كان شيخ الإسلام يتكلم عن فرق الصوفية وجماعتهم، يفرق بين ما وصلوا إليه من انحراف، وما كان عليه إمامهم الذي ينتسبون إليه، فحينما تكلم عن عدي بن مسافر بن صخر وصفه بالصلاح، وأن له أتباع صالحون، إلا أن من أصحابه من غلا فيه إلى حد الكفر. [5]
وهذا التفريق يمكن أن يوجد في شيء منه في قاعدة العدل والإنصاف، والتفريق بين المتقدمين والمتأخرين، إلا أنه يضيف بعدا آخر في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، وعدم مسؤولية المتقدمين عما صنعه أتباعهم، فلا ينبغي أن نظن أن الرفاعي كان على ما عليه الرفاعية، أو أن عبد القادر الجيلاني كان على ما كان عليه القادرية، وهو يشابه انتساب الأشاعرة للإمام الأشعري رغم مخالفتهم لما استقرت عقيدته عليه.
القاعدة الحادية عشرة: التفريق بين المجتهد والمقصر في طلب الحق
ومن قواعد الشريعة الإسلامية أن المجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، وهذا القول هو ما طبقه شيخ الإسلام على الصوفية حينما أراد إنزال الأحكام عليهم فقال:"فالمجتهِدُ الْمَحْضُ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَأْجُورٌ، وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَحْضِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذَابِ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْ شُبْهَةٍ وَهُوَ مُسِيءٌ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ وَبِحَسَبِ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى فِقْهٍ أَوْ تَصَوُّفٍ مُبْتَلُونَ بِذَلِكَ." [6]
ومن هنا وجب البحث عما كان الرجل مجتهدا في طلب الحق، أم أنه مقلد للتقليد الأعمى، مقصر في طلب
(1) -انظر الاستقامة (1/ 119)
(2) -جامع الرسائل والمسائل (187)
(3) -انظر مجموع الفتاوى (8/ 318)
(4) -انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 482)
(5) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 103)
(6) -انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/ 28)