الفصل الثالث:
القواعد المنهجية التي سلكها شيخ الإسلام في الحكم على قضايا التصوف والصوفية
القاعدة الأولى: فهم التصوف الصحيح يكون من أقوال أئمة الصوفية المتقدمين دون المتأخرين
رغم معاصرة شيخ الإسلام للصوفية المنحرفين كالرفاعية وغيرهم، واطلاعه على أقوال الصوفية المتأخرين كالحلاج وابن عربي، إلا أنه لم يكن يعتمد كلام هؤلاء المتأخرين في فهم التصوف الصحيح، وإنما التصوف الصحيح الذي يمكن أن يقال أنه معياري هو ما كان مأخوذا من منابع التصوف لا من فروعه، هذا الأصل الذي يمتد إلى آثار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحفظ القرآن وكتابه السنة والتقيد بكل هذا، وكان شيخ الإسلام يحتج بقول الجنيد: الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ ايضا من لم يحفظ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة [1] ، وقول أَبُي عُثْمَان حين قال: من امْر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة وَمن أَمر الْهوى على نَفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، وقول أَبُو حَمْزَة الْبَغْدَادِيّ: من علم الطَّرِيق إِلَى الله سهل عَلَيْهِ سلوكه وَلَا دَلِيل على الطَّرِيق إِلَى الله إِلَّا مُتَابعَة الرَّسُول فِي أَحْوَاله وأقواله وأفعاله [2] ، فطريق الأوائل كان هو الكتاب والسنة، وإن ورد عن أحدهم ما ينافي الكتاب والسنة فهم ليسوا معصومين، وليس فعلهم حجة ما داموا يخالفون الكتاب والسنة.
ولم يكتف شيخ الإسلام بأن يتم أخذ المذهب وفهمه من الصوفية الأوائل فحسب، فنهى أهل الاستقامة أن يأخذوا المذهب عن أهل الضلالة ممن يغلب عليهم الوجد، فيزول عقله ويحلق لحيته ويذهبوا به إلي البيمارستان، ويسقط عنه التمييز بين الحق والباطل، إلى أن قال:"وَمن كَانَ بِهَذِهِ الْحَالة لم يجز أَن يَجْعَل كَلَامه وَحده أصلا يفرق بِهِ بَين أَئِمَّة الْهدى والضلال وَالسّنة والبدعة وَالْحق وَالْبَاطِل لَكِن يقبل من كَلَامه مَا وَافق فِيهِ أَئِمَّة الْمَشَايِخ وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة". [3]
وحينما عرض شيخ الإسلام قضية منزلة العمل الظاهر من الإيمان، تكلم في أن مذهب تاركي الأعمال هو مذهب الزنادقة، وأنه لا يصح نسبه مذهب ترك الأعمال مطلقا للصوفية، فكما أن أئمة الفقه برءاء ممن أحدثه من جاء بعدهم، فكذلك أهل التصوف، يقول شيخ الإسلام:"فكما أن أولئك الأئمة الفقهاء برءاء من بدع أهل الكلام فضلا عن بدع الفلاسفة من الباطنية ونحوهم فكذلك المشايخ الصوفية برءاء من بدع"
(1) -انظر الاستقامة (1/ 97 - 98)
(2) -انظر الاستقامة (1/ 97 - 98)
(3) -انظر الاستقامة (1/ 115 - 116)