حينما سئل عن التصوف وموقف الإسلام منه، فأجاب أنهم جماعات اشتهروا بالبدع، وأبان أصل نسبتهم للتصوف، ثم قال أن التصوف هو التعبد على طريقة خاصة، لم تأت بها الشريعة، ولهذا غلب على المتصوفة البدع، إلا أنه أوضح في نهاية فتواه أن هناك من يكون زاهدا ويثنى عليه كالجنيد، وكسليمان الداراني، وبشر الحافي الذين زادوا في العبادة والزهد في الدنيا، فاستحقاقهم الثناء من أجل زهدهم ورغبتهم في الآخرة وعدم ابتداعهم [1] .
والغالب أن ما يقع في أذن السامع ما يتلفظ به العالم لأول وهلة، ورغم أن الشيخ رحمه الله قد أنصف الصوفية الأوائل إلا أن ترتيب العرض نتيجة أن الفتوى مسموعة لا يمكن ترتيبها، فهذا ما يسبب إشكالية الفهم والتأصيل لدى القارئ العادي.
رابعا: أن نحمل هذا الإجمال على التفصيل الذي قرره هؤلاء العلماء في تأصيلاتهم، وهذا هو الأولى، إلا أن ذلك يتطلب مجهودا شاقا لخدمة تراثهم، وإلا حدث معهم مستقبلا مثلما حدث مع شيخ الإسلام من الإشكاليات في فهم مذهبه ومواقفه.
والمقصود بالموقف الغالي أنه ليس الموقف الوسطي الذي قررناه، فهو يعمم الأحكام على كل الصوفية، ولا يثبت الجانب التاريخي لهم، ولا فضل متقدميهم، بل يحمل كل المحدثات والبدع على الصوفية أجمعين، ولا يرى أن للصوفية تاريخا إلا تاريخ بدعهم، وإحداثهم في الشرع، من ذلك عبد الرحمن عبد الخالق حيث يقول في النشأة التاريخية:"لا يعرف على وجه التحديد من بدأ التصوف في الأمة الإسلامية ومن هو أول متصوف" [2] ، ويقول في شيخ الإسلام أنه كان من أعظم الناس بيانًا لحقيقة التصوف، وتتبعًا لأقوال الزنادقة والملحدين منهم وخاصة ابن عربي، والتلمساني، وابن سبعين، وأنه قد تعقب أقوالهم وفضح باطنهم وحذر الأمة من شرورهم، وأن شيخ الإسلام كان من أعظم الرجال الذي كشفوا عوار التصوف، وما كتبه ودونه وقام به في هذا الصدد شيء يطول وصفه جدًا [3] .
ونحن نشكر له فضله فيما بينه من حقائق وطوام عن متأخري الصوفية في الكتاب المذكور، وفي كتابه الآخر فضائح الصوفية، إلا أننا حينما نذكر موقف العلماء لا يمكن الحكم عليه إلا بعد تحريره وتتبعه، والتفريق كما سبق بين المتقدمين والمتأخرين، وبيان منهجه ورصد التطور التاريخي للمذهب، وإلا كنا على غير المنهج العلمي في البحث.
(1) -انظر فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (3/ 163 - 164)
(2) -انظر الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (33)
(3) -انظر الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (458 - 459)