العلم، عاملا بما لم يعلم، والكتاب والسنة يحثان على طلب العلم قبل القول والعمل، ومن هنا نلتمس لهم الزلات، ونغفر لهم العثرات، لكننا نردها ونبين عوارها، وهذا هو الحق المبين في هذه المسألة والله أعلم.
لقد أنكر شيخ الإسلام على من يبادر إلى تأويل أقوال المخالف بغلبة الظن، موضحا أن ذلك المنهج في التأويل قد يؤدي إلى التكفير إن كان متصلا بأمور الاعتقاد، فالحكم بالظن أمر مذموم في الشرع، يقول شيخ الإسلام:"من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ينبغي أن يبادر إلى تكفيره في كل مقام بل ينظر فيه فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومهماتها فلا نكفره" [1] .
ثم أخذ شيخ الإسلام في الاسترسال لشرح هذه القاعدة ضاربا لها الأمثلة حتى يتبين المقام لمن يتصدر لإلقاء الأحكام القطعية دون بالظن المذموم الذي يمنعه من إقامة الحجة والبرهان للتبين من الحكم، وإلا فهناك قدر من الظن المعمول به في الشرع لأنه لا يتيسر لكل إنسان شهود كل الأمور، فأوجب الشرع العمل بشهادة العدول، وقبول خبر الواحد.
القاعدة الثالثة عشرة: التفريق بين منهج المتقدمين والمتأخرين من الصوفية
دائما ما نجد في كلام شيخ الإسلام التفريق بين منهج المتقدمين والمتأخرين حينما يعرض للقضايا الصوفية التي أحدثها المتأخرون، فقد نص على أن طريقة الفلاسفة المتأخرين والباطنية وأصحاب رسائل إخوان الصفاء والفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وملاحدة الصوفية تختلف عن طريقة عن طريقة المشايخ المتقدمين من أهل الكتاب والسنة [2] ، ويذكر أيضا أن كثيرا من متأخري الصوفية دخلوا في مذهب الإباحة والحلولية، وخلطوا التصرف بالفلسفة اليونانية، كما خلطه بعضهم بشيء من أقوال أهل الكلام الجهمية. [3]
فنصوص شيخ الإسلام كانت تحتوي في غالبها على التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في الزمان والمنهاج، خاصة بين من كانت أصولهم صحيحة ثم حصل الفساد العارض من المنتسبين، يدل النص التالي على تفريق شيخ الإسلام بين متقدمي ومتأخري الصوفية وأهل السنة في آن واحد، فيقول شيخ الإسلام:"وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذي يسمع منه القرآن، وهو الذي يقرؤه بنفسه بلا واسطة عند قراءة كل قارئ، كما غلطوا في القرب، وهم طائفة من متأخري أهل الحديث ومتأخري الصوفية" [4] .
وهذا يجعلنا نقول: أن تفريق شيخ الإسلام بين المتقدمين والمتأخرين في كل من الصوفية وأهل الحديث
(1) -انظر بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية (333)
(2) -انظر درء تعارض العقل والنقل (1/ 10 - 11)
(3) -انظر درء تعارض العقل والنقل (5/ 7)
(4) -انظر شرح حديث النزول (140)