فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 47

تمييز فينتج عنه بعض الفناء، والتي قد ينتج عنه الشطح كالقول الذي صدر من أبي يزيد البسطامي حين قال: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، ثم علق شيخ الإسلام على ضابط الحكم على ذلك بقوله أن كلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى، وأما إن كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني؛ فسكر الأجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور وسكر الأرواح بالأصوات. [1]

وهذا ضابط هام في التفريق بين من يجد حلاوة الإيمان التي قد تصل للنشوة، والتأثر بالنصوص والعيش معها، فيبكي في مواضع العذاب والجحيم، ويستبشر في مواضع الثواب والنعيم، و النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في رفع القلم عن هؤلاء:"رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ" [2] .

ومن هذه الضوابط التي أخذها شيخ الإسلام مراعاة قصد المتكلم، فحينما أراد شيخ الإسلام شرح مفهوم الحلول، فرق بين القصد وعدمه، فقد وضح شيخ الإسلام أن لفظ الحلول قد يراد به حلول الشيء ذاته تارة كعقيدة الحلول عند النصارى، وحلول معرفته ومحبته تارة، كقول الواحد منا"أنت ساكن في قلبي"، فهو كقول العامة، ولم يفهم أحد من الكلام أن الله حال فيه، فهو كما يقال أن الله في قلوب العارفين، وكما يقال: إِنَّ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ، ليس المراد أنه حَالٌّ فِيهِ، وبِهَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، وفلان مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ." [3] "

ويمكن أن يستدل هنا بعض الباحثين أن شيخ الإسلام قد تساهل معهم، لأن هؤلاء الصوفية قد تكلموا حال صحوهم، ووجدهم، ولم نجد لهم إنكارا لتلك الشطحات حال صحوهم، والرد على ذلك أننا نرد على تأويل الشطح، وليس ثبوت ما يخالفه عمن وقع منه ذلك، ولا يمكن أن نطلب تأويلا لكل حادثة بعينها، لأنهم صنفوا في ضوابط هذا الشطح، وإنما نقول أن لازم المذهب ليس بمذهب ما لم يلتزمه صاحبه، فمتى التزمه حال صحوه وقال به فهنا يثبت الحكم.

القاعدة الخامسة: عدم إطلاق التعميمات في الأحكام على المخالف الذي سنطلق من أصول صحيحة

كان من منهج شيخ الإسلام عدم تعميم الأحكام على الفرق والطوائف التي انطلقت من أصول صحيحة، وإن فشت فيها البدع بعد ذلك، أما التي انطلقت من أصول مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان فكان يعمم الأحكام عليها، وذلك كأحكامه على الروافض والخوارج والباطنية والمرجئة، وذلك لأن أصول مذاهبهم

(1) -انظر مجموع الفتاوى (2/ 461)

(2) -رواه الإمام أبو داود في سننه (4402) ، وصححه الألباني

(3) -انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (3/ 345)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت