فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 47

والعارف، فقد وصف الجيلي بأنه قطب العارفين [1] .

وقد ذكر شيخ الإسلام تأصيلا لهذه القاعدة، وردا على بعض الصوفية الذين يقولون أن الله يرى بالأعين في الدنيا مستدلين بأقوال لاوائل لصوفية:"واعلم أن ألفاظ الصوفية وعلومهم تختلف، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم، ومرموزات وإشارات تجرى فيما بينهم، فمن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه، رجع عنهم خاسئًا وهو حسير" [2] ، ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد، فقال: كثير ما يقولون: رأيت الله، وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تره العيون بتحديد العيان، ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان." [3] "

وقد استخدم شيخ الإسلام ألفاظ الصوفية، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، والعبرة بما تحمله تلك المعاني، بذلك يقول في مقدمته لكتاب أمراض القلوب وشفاؤها عن سبب تأليفه، فكان مما ذكره من الألفاظ:"المقامات"و"الأحوال"، وأنها من أصول الايمان، ومن هذه المقامات والأحوال محبة الله ورسوله والتوكل والإخلاص والشكر والصبر والخوف والرجاء. [4]

وقال أيضا الاحتجاج بمصطلحاتهم حينما تكلم شيخ الإسلام عن الإرجاء، فقال أن الصوفية يدخلون أعمال القلوب التي يسمونها أحوالًا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه، فهو من الإيمان المستحب، فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين. [5]

والشاهد من كلام شيخ الإسلام أن من لم يفهم مراد الصوفية لتقصير عن فهم مفرداتهم، فحتما سيسيء الحكم عليهم، وإساءة الحكم عليهم دليل على التقصير في طلب الفهم، وانعدام المنهج العلمي في التأويل، وإساءة ظن بالآخرين.

القاعدة التاسعة: عدم الخوض في الأقوال المشتهرة دون سند

كان منهج شيخ الإسلام عدم الخوض في الأقوال المشتهرة على الألسنة ما لم يصح سندها، وذلك لأن الأحكام تحتاج لورع ودين، فالمرء مؤاخذ أمام الله جل وعلا بما يصدر عنه من أقوال وأفعال الله، فشيخ الإسلام لم يتكلم في الحلاج في أول الأمر لأنه كان يرى أن غالب الأقوال المنسوبة إليه في سندها مقال،

(1) -انظر الاستقامة (1/ 85 - 86)

(2) -يقصد بذلك محمد بن جرير في كتابه التبصير الذي كتبه لأهل طبرستان، وهو ما ينقل عنه شيخ الإسلام في هذا المكان

(3) -انظر الفتوى الحموية الكبرى (455)

(4) -انظر أمراض القلوب وشفاؤها (36)

(5) -انظر الإيمان لابن تيمية (152)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت