فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 47

أهل التصوف فضلا عن بدع من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته" [1] ."

وكان شيخ الإسلام يستشهد بأئمة الصوفية المتقدمين في فهم الكرامات، فذكر ما قاله أبو علي الجوزجاني أنه قال:"كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة"، ثم ذكر قول السهروردي في عوارفه أن المتأخرين من سالكي الطريق حينما سمعوا عن كرامات السلف الصالحين المتقدمين تطلعوا إلى شيء منها، وكان منهم من يظل منكسر القلب متهما لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك، ثم بين شيخ الإسلام الحكمة من الكرامات، وأنها ليست ملازمة للطاعة [2] .

وبين أن الحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننا فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا والخروج من دواعي الهوى، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق العادات؛ لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينا. فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به وتقتضي الحكمة كشف ذلك الآخر لموضع حاجته وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادا وأهلية من الأول. فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة. ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك. وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة. فتعلم هذا؛ لأنه أصل كبير للطالبين والعلماء الزاهدين ومشايخ الصوفية.

ومع الاستدلال بأن الصوفية المعيارية الصحيحة هي صوفية الأوائل، فقد أنكر شيخ الإسلام أن يؤخذ مذاهب أولياء الله الصالحين من المتأخرين أصحاب كالحلاج وابن عربي، وقال أنه من القبح بمكان أن تؤخذ العقيدة والكلام في أصول الدين ممن قتل زندقة، ووقع في الفسق أو الكفر، فهذا من الخلط البين والفساد في المنهاج [3] .

القاعدة الثانية: إتباع منهج العدل والإنصاف في الحكم على المخالف

أبان شيخ الإسلام أن العلماء الذين أخطأوا في الحكم على الصوفية صنفان:

الأول: طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة.

الثاني: طائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء.

ثم أبان شيخ الإسلام حكمه في كلا الموقفين بقوله أن كلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كغيرهم، ففيهم السابق، وفيهم المقتصد، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه

(1) - انظر بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 170 - 172)

(2) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 320 - 321)

(3) -انظر الاستقامة (1/ 116)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت