فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 47

والمحمل الحسن هنا ليس توجيهه إلى ما يوافق الشرع، وإنما توجيهه إلى ما يوافق مذهبه، لأن قد يكون في نسبة الأقوال المجملة للشرع ما لا يكون مراد المتكلم في الأصل، وإنما يُعلَمُ مرادُ المتكلم من تفصيله وما يوافق غالب كلامه، وليس من الإنصاف توجيه أصحاب المقالات الباطلة بما يوافق الشرع، لذلك يقول شيخ الإسلام في منهجه في توجيه كلام أهل المقالات:"الْكَلَام الْمُجْمل من كَلَامهم يحمل على مَا ينْسب سَائِر كَلَامهم" [1] .

وهذه القاعدة عامة في فهم النصوص، فإنه متى أشكل نص بإجماله وجب البحث في تفصيله، ولا شك من منفعة بيان الإجمال، والأوجه التي يحتملها النص، خاصة إن اشتمل على أوجه فاسدة، فإن العالم مطالب ببيان الحق دون تسرع في الحكم، وبإنصاف، ولا ينشغل بالحكم على الناس في البداية.

وهذه القاعدة يمكن تطبيقها على كلام شيخ الإسلام نفسه، فقد تكلم في بعض المواطن عن الصوفية بإجمال، من ذلك قوله:"كَمَا أَن الصُّوفِيَّة وَنَحْوهم إِلَى النَّصَارَى أقرب فَإِن النَّصَارَى عِنْدهم عبَادَة وزهد وأخلاق بِلَا معرفَة وَلَا بَصِيرَة فهم ضالون" [2] إلا أنه قد وضح هذا الإجمال في موضع آخر بقوله:"فإن منحرفة أهل الكلام فيهم شبه اليهود ومنحرفة أهل التصوف فيهم شبه النصارى" [3] .

القاعدة الثامنة: اعتبار المصطلح الصوفي من معجم الصوفية وأنه لا مشاحة في الاصطلاح

هناك من أنكر على الصوفية أن يكون لهم معجمهم الخاص كأهل كل فن، فكما أن لأهل الأصول معجمهم، فلأهل الفلسفة معجمهم، لذلك نجد أن الواجب عند الأصوليين غير الواجب عند الفلاسفة، فلا يوجد ما يمنع أن يكون للصوفية كأصحاب علم أن يكون لهم معجمهم الخاص، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام عند شرحه لمصطلح الفقر في الكتاب والسنة، فذكر أن الفقر المراد فيهما هو المضاد للغنى، والذي منه المسوغ لأخذ الزكاة، وضده الغنى المانع لأخذ الزكاة، قال تعالى: فقال في الأولى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [4] ، ثم أوضح أنه لما كان جنس الزهد في الفقراء أغلب، صار الفقر في اصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد، فإذا قيل: هذا فيه فقرلم يرد به عدم المال، إنما يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف والأحوال والأخلاق والآداب ونحو ذلك [5] ، وفي ذلك إقرار لمصطلح الصوفي المشتق من التصوف، وأن الإشكال ليس في التسمية، وإنما في المعنى الواقف وراءه.

كما استخدام شيخ الإسلام المعجم الصوفي مقرا له، فكان يصف علماء الصوفية المبرزون بالقطب،

(1) -انظر الاستقامة (1/ 113 - 114)

(2) -انظر دقائق التفسير 2/ 145)

(3) -انظر مجموع الفتاوى (2/ 42)

(4) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 20 - 22)

(5) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 20 - 22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت