فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 47

ما لم يحط علما بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة [1] " [2] ."

وحينما أراد شيخ الإسلام أن يحكم على الصوفية، قام بالتفريق بين المتقدمين والمتأخرين، فأوضح أن المتقدمين والمتأخرين في القسمة الزمانية ثلاثة أصناف: قومٌ على مذهب أهل الحديث كهؤلاء المذكورين في المتقدمين في الغالب، وقومٌ على طريقة أهل الكلام كأبي القاسم القُشَيري، وقومٌ خرجوا إلى طريقة المتفلسفة كمن سلك مَسْلك إخوان الصفا وأبي حَيَّان التوحيدي، ثم بين أن ابن عربي وابن سبعين هم من أهل الفلسفة الذبن غيَّروا عبارتها وأخرجوها في قالب صوفي [3] ، وبذلك أخرجهم شيخ الإسلام من الصوفية لتبرؤ الصوفية المحققين منهم.

وكان من منهج شيخ الإسلام التتبع للمحدثات التي دخلت في التصوف، وبيان كونها من طريقة المتقدمين أم لا، ومثال ذلك تتبع شيخ الإسلام لمبحث الأسماء والصفات لدى الصوفية الأوائل، فقد أبان شيخ الإسلام أن منهج المتقدمين منهم أبعد ما يكون عن الإلحاد في الأسماء والصفات، وأن مذهبهم هو ما كان عليه سلف الأمة، إلا أن كثيرا من متأخري الصوفية دخلوا في مذهب الإباحة والحلولية، وخلطوا التصوف بالفلسفة اليونانية، كما خلطه بعضهم بشيء من أقوال أهل الكلام الجهمية [4] ، وهذه الأقوال إنما تلقوها من قول النصارى وفلاسفتهم [5] .

فلم يكن من الكافي لدى شيخ الإسلام إثبات الحقيقة على ما هي عليه الآن فحسب، لأن ذلك يفضي إلى التعميم، وإنما التحقيق بالبحث التاريخي في المسائل من أجل تحقيق الإنصاف في الأحكام، وهذا مثال للباحث المنصف الذي يبذل الجهد في الوصول للأحكام، ومعرفة الأصيل من الدخيل في الفكر محل الدراسة.

القاعدة السابعة: حمل المجمل على الغالب والمفصل من كلام القوم

كان من منهج شيخ الإسلام في تأويل مقالات العلماء بحملها على المحمل الحسن، يقول شيخ الإسلام:"قَالَ أَبُو الْقَاسِم عرفُوا مَا هُوَ حق الْقدَم وتحققوا بِمَا هُوَ نعت الْمَوْجُود عَن الْعَدَم وَكَذَلِكَ قَالَ سيد هَذِه الطَّائِفَة الْجُنَيْد رَضِي الله عَنهُ التَّوْحِيد إِفْرَاد الْقدَم من الْحَدث، قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَال والمحق يحملهُ محملًا حسنا وَغير المحق يدْخل فِيهِ أَشْيَاء" [6] .

(1) -الحسكة في معجم العين هي نبات له ثمرة خشنة تتعلق بالصوف

(2) -انظر مجموع الفتاوى (10/ 367)

(3) -انظر الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق (39 - 40)

(4) -انظر درء تعارض العقل والنقل (5/ 7)

(5) -انظر الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق (107 - 108)

(6) -انظر الاستقامة (1/ 91 - 92)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت