واستدراكا على ما لم يراه شيخ الإسلام بعد تقدم الزمان صار هناك نوعا رابعا وهو الصوفية الطرقية التي تكثر في العالم الإسلامي، وهي غالبا ما تستقي من الأنواع السابقة، إلا أنها تضيف بدعا إليها في باب التعبد، وقد تصل للشركيات المخرجة من ملة الإسلام.
ذهب شيخ الإسلام إلى أن الزهد والعبادة هما أصل التصوف لأن أهل البصرة كانوا أهل عبادة، وأنهم إنما نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهي لباس الصوف فقيل في أحدهم:"صوفي"، إلا أن هذا اللباس كان زهدا منهم في الدنيا، ولما يلزموا به أحدا، ولا علقوا الأمر به، وإنما أضيفوا إليه لكونه ظاهر حالهم [1] ، ويوضح شيخ الإسلام أن من الصوفية من كان مشتغلا بالعلم والفقه كما كان منشغلا بالعبادة.
ووضح شيخ الإسلام أن"الزهد"المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع بل ترك الفضول التي تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع. وكذلك في أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ"الصوفي"؛ لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد ومن قال إن الصوفي نسبة إلى الصفة أو الصفا أو الصف الأول أو صوفة بن بشر بن أد بن طانجة أو صوفة القفا؛ فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى. [2]
ومعنى أن الصوف يكثر في الزهاد أنه يلبسه الزهاد وغيرهم، كما أن من الزهاد من لا يلبسه ويعتبره من الرياء، وقد ورد ذلك في أقوال أكابر الصوفية في النقد الذاتي للتصوف.
تاسعا: كلام الشيخ في تقيد علم الصوفية بالكتاب والسنة،
كان شيخ الإسلام دائما ما يذكر تقيد علم الصوفية بالكتاب والسنة، وكان يستشهد بكلام الشيخ أبي سليمان الداراني في عدم قبول ما يقع في قلبه إلا بشاهدين هما الكتاب والسنة، وكان يستشهد بقول أبي القاسم الجنيد رحمه الله عليه أن علم الصوفية مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث، لا يصلح له أن يتكلم في التصوف ولا يقتدى به، وينقل عن أبي عثمان النيسابوري قوله أن من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا، نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم: {وإن تطيعوه تهتدوا} . وقول أبو عمر بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. [3]
فليس كل من انتسب للتصوف صار قوله هو قول الصوفية، فما كان موافقا للكتاب والسنة فهو مقبول، وإلا فهو مردود، لأن الهداية كلها في نصوص الوحي، فالمعتبر عن العارفين بالله المذكوريين في كون معيار
(1) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 16)
(2) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 28 - 29)
(3) -انظر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (74)