أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالصَّلَاح، وأن حسناتهم قد غمرت مَا كَانَ لَهُم من السَّيِّئَات أَو الْخَطَأ. [1]
ومما ذكره شيخ الإسلام عن الجنيد أنه كان يكره التكلف في حضور هذه المجالس لأنه موطن فتنة، وذكر قول الجنيد:"السماع فتْنَة لمن طلبه ترويح لمن صادفه" [2] .
ومن هنا يمكن أن نقول حكم شيخ الإسلام عليهم أنهم متأولين، هذا خاص بما أحدثه طائفة من الأوائل ووقعوا فيه في هذه المسألة، وهذا إدراك من شيخ الإسلام لحجم المسألة ونوعيتها، ومن ثم ينزلها المنزلة التي تنبغي لها، وكذلك نراه لم يعمم الحكم على كل من وصف بالتصوف ممن خالف الكتاب والسنة، واتبع الطرق ووقع في الشرك والكفر ممن جاء بعدهم، لأن ذلك يكون بمثابة التقليد الأعمى الذي نهى القرآن عنه.
لم يكن شيخ الإسلام يقبل نسبة الرجل للتصوف بمجرد محاولة أن ينسبه أحد لهم، وكانت القاعدة عند شيخ الإسلام هو وجود ما يمكن أن نسميه بالتصوف المعياري، وهو التيار الذي يتميز بالعقيدة السلفية الممتزجة بالزهد والسلوك، فمن خالفها، أو حاول أن يشوبها بالفلسفة والكلام فانتسابه للتصوف مرفوض، لذلك رفض شيخ الإسلام انتساب طوائف من أهل البدع والزندقة للصوفية، وبين أنهم عند المحققين ليسوا منهم، كالحلاج وابن عربي [3] ، ومن ذلك ما ذكره عنهم في تبرؤهم من الحلاج بقوله:"وَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْعَالِمُونَ بِحَالِ الْحَلَّاجِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ يُعَظِّمُهُ" [4] .
القاعدة الرابعة: مراعاة انطباق الشروط وانتفاء الموانع في الحكم على الصوفية
وحينما تكلم شيخ الإسلام عن السكر الصوفي والجذب، فرق بين ما هو حاصل بسبب مشروع كتلاوة القرآن، وبين ما يحصل بسبب غير مشروع، كمن بتناول الحشيشة أو الخمر، فشتان بين من لم يصدر منه تفريط أو عدوان، وإن صدر عنه فلا ذنب له فيه، كمن سمع القرآن السماع الشرعي ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك، وكذلك ما يرد على القلوب من السكر والفناء وما يغيب العقل بغير اختيار، فإنه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن السكران مذموما بل معذورا فإن السكران بلا تمييز، أما إن حصل بتناول السكر من الخمر والحشيشة فإنه يحرم بلا نزاع بين المسلمين، وإن استحل السكر فهو كافر. [5]
ويقول أيضا في بعض الشطحات الواردة عنهم أنها قد تكون من السكر والغيبة التي ينتج عنها وجد دون
(1) -انظر الاستقامة (1/ 297)
(2) -انظر الاستقامة (1/ 380)
(3) - انظر مجموع الفتاوى (11/ 17 - 18)
(4) -انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 482)
(5) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 10)