والرد على ذلك ما ذكرناه من تأويل ونقول عن السلف في التصنيف بالعلم الذي يُنتَسَبُ إليه كالتصوف والفقه، والتصنيف بالبلد كالبخاري والنيسابوري، والتصنيف بالمذهب كالسني والمعتزلي والحنفي والحنبلي والمالكي والشافعي، والتصنيف بالصفة كالمهاجرين والأنصار، كما أنه ثم فارق بين الحكم على التصنيف في ذاته، وبين الحكم على ما يحتوية المذهب من أصول مبتدعة ومنكرات وفواحش، فالشيخ رحمه الله قد قَعَّدَ هنا قاعدةً ونسبها إلى السلف، إلا أنهم كانوا على خلاف ذلك، والمقام لا يقتضي لذكر النقول، لأنه لا يكاد يخلو منه كتاب مصنف في فنون الشريعة.
4 -فتاوى اللجنة الدائمة: جاءت فتوى للجنة الدائمة برقم (17558) تقول في السؤال الثاني منها:"ما هي الصوفية، وهل هي خطر على الدين، وما حكم مجالسة الصوفيين؟"
فكان الجواب كالتالي:"الغالب على الصوفية في هذا الزمان أنها طائفة ضالة، لها منهج في العبادة يخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يتلقون دينهم عن رؤساء طرقهم ومشائخهم، ويعتقدون فيهم أنهم ينفعون ويضرون من دون الله، ولا تجوز مجالستهم ولا مصاحبتهم إلا لمن يدعوهم إلى الله ويبصرهم بالسنة." [1]
وكان أعضاء اللجنة هم العلماء الأفاضل: بكر أبو زيد رحمه الله، صالح الفوزان حفظه الله، عبد العزيز آل الشيخ [2] ، وبرئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله.
هذه الفتاوى المجملة يمكن تأويلها بعدة طرق كالتالي:
أولا: أن الواقع الفكري قد فرض عليهم هذه الردود، إذ صار السؤال عن التصوف لا يمكن تأويله بالتصوف الصحيح مطلقا، فالتصوف البدعي هو ما كان منتشرا في كل بقاع الإسلام، والتصوف السني هو ما يمكن أن نجده في الكتب فحسب.
ثانيا: أن الفتاوي التي تكون في البرامج الإذاعية أو المرئية لا يكون هناك مجال ومتسع من الوقت لتأصيل الفتوى، والمنهج الأكثر شيوعا هو الرد على أكبر قدر من الفتاوى، ومِن ثَمَّ محاولة الرد المجمل الذي قد يقع فيه شيء من الخلل.
ثالثا: أن الفتاوى المسموعة ليست بمستوى تلك المكتوب من حيث التحرير والتأصيل، فالأولى تكون بالاستدعاء من الذاكرة، وبما يناسب حال المتكلم، فلا يمكن التقديم فيها والتأخير، وقد تأتي أهم النقاط في الفتوى التي تحمل ضوابط تأصيلية في آخرها، مثال ذلك ما أجاب به الشيخ ابن باز في أحد اللقاءات
(1) -انظر فتاوى اللجنة الدائمة (2 2/ 86)
(2) -المفتي الحالي للمملكة العربية السعودية