فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 91

ولقد تجاوز بعضهم وتعدَّى بسبب هذا حتى قال: البخاري تركه أبو زرعة، وأبو حاتم، وهو ما حدا بالتاج السبكي أن يقول: فيالله والمسلمين أيجوز لأحدٍ أن يقول: البخاري متروك؟ وهو حامل لواء الصناعة، ومُقَدَّم أهل السنة والجماعة؟ ثم يالله والمسلمين أتُجعل ممادحه مذام؟ فإن الحقَّ في مسألة اللفظ معه، إذ لا يستريب عاقلٌ من المخلوقين في أن تلفُّظَه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى، وإنما أنكرها الإمام أحمد رضي الله عنه لبشاعة لفظها [1] .

المثال الرابع: قال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعتُ يحيى بن عمار الواعظ وقد سألتُه عن ابن حبان فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علمٌ كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا فأنكر الحدّ لله - عز وجل - فأخرجناه.

قال الحافظ الذهبي [2] : إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك مما لم يأذن به الله - عز وجل -، ولا أتى نصٌّ بإثبات ذلك ولا بنفيه"ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" [3] وتعالى الله - عز وجل - أن يُحدَّ أو يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو علَّمه رسله بالمعنى الذي أراد بلا مثل ولا كيف (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [4] .

وقال التاج السبكي منكرًا على هذا القائل: قال بعض المجسِّمة في أبي حاتم ابن حبان: لم يكن له كبير دين. فذكر كلامه ثم قال: فيا ليت شعري من أحق بالإخراج؟ من يجعل ربه محدودًا، أو من ينزهه عن الجسمية [5] .

وقال أيضًا في معرض تعليقه على هذا الكلام:

انظر ما أجهل هذا الجارح؟ ليت شعري من المجروح؟ مثبت الحد لله - عز وجل - أو نافيه؟ وقد رأيتُ للحافظ العلائي رحمه الله تعالى على هذا كلامًا جيِّدًا أحببتُ نقله بعبارته قال: يالله العجب؟ من أحق بالإخراج والتبديع وقلة الدين؟ [6] .

(1) قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 36.

(2) سير أعلام النبلاء 16/ 97.

(3) مالك في الموطأ كتاب حسن الخلق باب ما جاء في حسن الخلق صـ: 688، والترمذي كتاب الزهد باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس 4/ 142 رقم: 2325.

(4) سورة الشورى الآية: 11.

(5) قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 37.

(6) طبقات الشافعية الكبرى 3/ 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت