فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 91

المثال الخامس: وإنك لتعجب أشدَّ العجب حينما تقرأ كلام السبكي في طبقاته عن شيخه وأستاذه الذهبي، فهو شديد التحامل عليه، مفرطٌ في انتقاده؛ وذلك لأن السبكي شافعي المذهب، أشعري الاعتقاد، والذهبي حنبلي المذهب والاعتقاد، ولذلك وبسبب مخالفته له في بعض فروع الاعتقاد تراه يأخذه التعصب والتحامل حتى يخرجه عن حدِّ الإنصاف والاعتدال، وهو الذي طالما عاب غيره بذلك، فتراه يقول عن شيخه الذهبي:

وقد وصل من التعصُّب المفرط إلى حدٍّ يُسخر منه، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم، الذين حملوا لنا الشريعة النبوية، فإن غالبهم أشاعرة، وهو إذا وقع بأشعري لا يُبقي ولا يذر، والذي أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند من لعلّ أدناهم عنده أوجه منه، وهذا منه - رحمه الله- إفراطٌ في النقد، ومبالغةٌ طافحة، وتحاملٌ مكشوف [1] .

وقال بعد ما ذكر تأثير الخلاف في العقيدة على قول الجارح: وهذا شيخنا الذهبي من هذا القبيل، له علم وديانة، وعنده على أهل السنة تُحامل مفرط، فلا يجوز أن يُعتمد عليه - سبحان الله أمثل الذهبي في علمه وورعه وتقواه يُقال عنه: لا يُعتمد عليه بعدها! - ثم نقل قول العلائي عن الذهبي ونصه: الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثَّر ذلك في طبعه انحرافًا شديدًا عن أهل التنزيه، وميلًا قويًا إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم واحدًا منهم يُطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأوّل له ما أمكن، وإذا ذكر واحدًا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذلك ويُبديه، ويعتقده دينًا وهو لا يشعر، ويُعرِض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحدٍ منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحدٍ منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه ونحو ذلك، وسببه المخالفة في العقائد.

وبعد أن أورد هذا النقل واستروح إليه لم يعجبه هدوء ألفاظه على رغم ما فيه من شِدِّة حتى قال: والحال في حقِّ شيخنا الذهبي أزيد مما وصف، وهو شيخنا ومعلّمنا غير أن الحق أحق أن

(1) قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت