فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 91

يتبع. والذي أدركنا عليه المشايخ: النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه.

وأما قول العلائي: لا أشُكُّ في دينه وورعه وتحرِّيه فيما يقول، فقد كنتُ أعتقد ذلك وأقول عند هذه الأشياء: إنه ربما اعتقده دينًا، ومنها أمورٌ أقطع بأنه يعرفها بأنها كذب، وأقطع بأنه لا يختلقها، وأقطع بأنه يحب وضعها في كتبه لتنتشر، وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صِحَّتها بُغْضًا للمُتحدَّث فيه، وتنفيرًا للناس عنه، مع قلة معرفته بمدلولات الألفاظ، ومع اعتقاده أن هذا مما يوجب نَصْرَ العقيدة التي يعتقدها هو حقًا، ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة.

غير أني لمَّا أكثرتُ بعد موته النظر في كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقَّفْتُ في تحرِّيه فيما يقوله، ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلامه، فلينظر كلامه من شاء، ثم يبصر هل الرجل متحرٍّ عند غضبه أو غير متحرٍ؟ وأعني بغضبه: وقت ترجمته لواحدٍ من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية، والمالكية، والشافعية، إني أعتقد أن الرجل كان إذا مدّ القلم لترجمة أحدهم غضب غضبًا مفرطًا، ثم قَرْطَمَ الكلام ومزَّقه، وفعل من التعصُّب مالا يخفى على ذي بصيرة.

ثم هو مع ذلك غير خبيرٍ بمدلولات الألفاظ كما ينبغي فربَّما ذكر لفظةً من الذمِّ لو عقل معناها لما نطق بها، ثم عاب عليه ذكر الفخر الرازي، والسيف الآمدي في ميزان الاعتدال ثم قال: ثم حلف في آخر الكتاب أنه لم يعتمد فيه هوى نفسه، فأي هوى نفسٍ أعظم من هذا؟ فإمّا أن يكون ورَّى في يمينه، أو استثنى غير الرواة فيقال له: فلِمَ ذكرت غيرهم؟ وإما أن يكون اعتقد أن هذا ليس هوى نفس، وإذا وصل إلى هذا الحدِّ والعياذ بالله فهو مطبوعٌ على قلبه [1] .

فيالله والمسلمين كيف يُقال في مثل الذهبي: إنه لا يجوز أن يُعتمد عليه! وكيف يُقال إن المشايخ كانوا ينهون عن النظر في كلامه؟ وأيُّ مشايخ هؤلاء؟ ولماذا لم يذكر لنا السبكي أسماء بعضهم؟ بل إنك لتعجب أشد العجب حينما تجد السبكي يقول عنه في موضعٍ آخر: إنه كان شيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال، وكأنما جُمعت الأمة في صعيدٍ واحد فنظرها ثم أخذ يعبِّر عنها إخبار من حضرها [2] .

(1) قاعدة في الجرح والتعديل 38 - 46.

(2) طبقات الشافعية الكبرى 9/ 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت