فإذا لم يُعتمد على قول هذا فمن يُعتمد على قوله إذًا؟ وهل يتصور عاقل أن يُقال مثل هذا الكلام في مثل الإمام الذهبي؟ ولله - عز وجل - في خلقه شئون.
ثم يقول: وإذا وصل إلى هذا الحد فهو مطبوعٌ على قلبه.
ووالله إنها لكبيرةٌ أن تُقال هذه الكلمة في مثل هذا الإمام الكبير، فإذا كان الإمام الذهبي مطبوعًًا على قلبه فمن من علماء الأمة يسلم من الطبع على قلبه؟ نسأل الله - عز وجل - السلامة من الشطط وسوء الأدب.
وقد علَّق السخاوي على كلام السبكي فقال: بالغ السبكي في كلامه، مع أن الذهبي عمدته في جلّ التراجم، وكونه هو - أي السبكي - قد زاد في التعصُّب على الحنابلة كما أسلفتُه فشاركه فيما زعمه من التعصب ودعوى الغيبة، مع أنِّى لا أنزِّه الذهبي عن بعض ما نُسِب إليه. ويكفينا في جلالة الذهبي: شرب شيخنا الحافظ ابن حجر ماء زمزم لنيل مرتبته، وهل انتفع الناس في هذا الفن بعده وإلى الآن بغير تصانيفه؟ والسعيد من عُدَّت خطاياه [1] .
ولكنه اختلاف العقائد جرّ إلى التعصب حتى قال السبكي:
والذي أُفْتِي به: أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي [2] .
وسبب هذا الكلام القاسي هو: الاختلاف في وجهة الاعتقاد، نعوذ بالله - عز وجل - من الغضب المفضي إلى سوء الأدب.
قال الإمام الصنعاني: لا يخفى أن ابن السبكي شافعي حادّ أشعري، وأن الذهبي إمامٌ كبير الشأن، حنبلي الاعتقاد، شافعي الفروع، وبين هاتين الطائفتين: الحنابلة، والأشعرية في العقائد وفى الصفات وغيرها تنافر كلي، فلا يُقبل السبكي على الذهبي بعين ما قاله فيه، وإذا كان الأمر كما سمعت فكيف حال النظر في كتب الجرح والتعديل؟ وقد غلب التَّمَذْهُب والمخالفة في العقائد على كل طائفة، حتى إن طائفةً تصف رجلًا بأنه حجة، وطائفةً أخرى تصفه بأنه دجَّال، باعتبار اختلاف الاعتقاد والأهواء، فمن هنا كان أصعب شيءٍ في علوم الحديث: الجرح والتعديل، فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحدٍ بعد قول ابن السبكي: إنه لا يُقبل قول الذهبي في مدح حنبلي، ولا
(1) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ صـ: 73، 74.
(2) قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 77.