فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 91

ذم أشعري، وقد صار الناس عالةً على الذهبي وكتبه، ولكن الحقَّ: أنه لا يقبل على الذهبي ابن السبكي لما ذكره هو، ولما ذكره الذهبي من أنه: لا يقبل كلام الأقران بعضهم على بعض [1] .

وقد انتقد الشوكاني قول السبكي عن الذهبي: إنه لا يدري ما يقول فقال: هذا باطل، فمصنَّفاته تشهد بخلاف هذه المقالة، وغالبها الإنصاف والذبُّ عن الأفاضل، وإذا جرى قلمه بالوقيعة في أحدٍ فإن لم يكن من معاصريه فهو إنما روى ذلك عن غيره، وإن كان من معاصريه فالغالب أنه لا يفعل ذلك إلا مع من يستحقُّه، وإن وقع ما يخالف ذلك نادرًا فهذا شأن البشر، وكل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، والأهوية تختلف، والمقاصد تتباين، وربك يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون [2] .

نسأل الله - عز وجل - العدل في الرضا والغضب، والسلامة من الإفراط والتفريط.

وبسبب هذه المبالغة الطافحة من السبكي في حقِّ شيخه الذهبي وغيره من العلماء قال العز الكناني في معرض نقده للسبكي: هو رجلٌ قليل الأدب، عديم الإنصاف، جاهلٌ بأهل السنة ورُتَبِهِم، يدلك على ذلك كلامه [3] .

وإن كنا لا نرتضي هذا الكلام، ونعتبره تجاوزًا لا يليق، ولكن السبكي هو الذي أودى بنفسه في هذه المهالك، وتجرَّأ على كبار علماء الأمة بما لا يليق، فتجرَّأ عليه غيره بما لا يليق، غفر الله - عز وجل - لهم جميعًا، ووهب نقصهم لفضلهم، وخطأهم لصوابهم، وحشرهم إخوانًا متحابين.

وقد بيَّنا أن كلام الأقران لا يُقبل إذا كان منشؤه الخلاف المذهبي.

قال السبكي: ثابت العدالة لا يُلتفت فيه إلى قول من تشهد القرائن بأنه متحامِلٌ عليه، إما لتعصُّبٍ مذهبي أو غيره.

وهذه أمثلة تبيِّن ذلك وتوضِّحه:

المثال الأول: الإمام الزهري، إمامٌ جليلٌ متَّفقٌ على عدالته وإتقانه وكثرة علمه وتقواه وورعه، ومع ذلك فقد نُقل عنه قوله: ما رأيتُ قومًا أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة.

(1) توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار 2/ 278.

(2) البدر الطالع للشوكاني 2/ 111.

(3) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي صـ: 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت