فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 91

وقال أيضًا: مازال يمر بي الرجل الثبت وفيه مقال من لا يُعبأ به، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمة، فبعض الصحابة كفّر بعضهم بعضًا بتأويلٍ ما، والله يرضى عن الكل ويغفر لهم، فما هم بمعصومين، وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا أصلًا، وبتكفير الخوارج لهم انحطَّت رواياتهم، بل صار كلام الخوارج والشيعة فيهم جرحًا في الطاعنين، فانظر إلى حكمة ربك، نسأل الله السلامة، وهذا كثيرٌ من كلام الأقران بعضهم في بعض، ينبغي أن يُطوى ولا يُروى، ويُطرح ولا يُجعل طعنًا، ويُعامل الرجل بالعدل والقسط.

ثم قال: فأما الصحابة - رضي الله عنهم - فبساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات، فما يكاد يسلم احدٌ من الغلط الكثير، لكنه غلطٌ نادرٌ لا يضرُّ أبدًا، إذ علي عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين لله تعالى [1] .

ثم أورد بعض النقد الموجَّه على كبار الأئمة ثم قال:

وهذا بابٌ واسع، والماء إذا بلغ قلَّتين لم يحمل الخبث، والمؤمن إذا رجحت حسناته، وقلَّت سيئاته فهو من المفلحين، هذا أن لو كان ما قيل في الثقة الرضي مؤثِّر، فكيف وهو لا تأثير له [2] .

ولذلك قال سعيد بن المسيب: ليس من عالمٍ ولا شريفٍ ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه، وُهب نقصه لفضله، كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله [3] .

وقال ابن القيم: من قواعد الشرع والحكمة: أن من كثُرت حسناته وعظُمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر، فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره، فإن المعصية خَبَث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحتمل أدنى خبث [4] .

(1) الرواة الثقات صـ: 23، 24.

(2) الرواة الثقات صـ: 26.

(3) جامع بيان العلم وفضله صـ: 308.

(4) مفتاح دار السعادة 1/ 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت