اللفظ المطلق في موضع المقيد في موضع آخر:
إذا جاء اللفظ مطلقا في موضع مقيدا في موضع آخر، فهل يحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحكم الثابت بهما مقيدا؟
للجواب عن هذا نقول:
ورود اللفظ مطلقا مرة ومقيدا مرة أخرى له أحوال، بعضها محل خلاف وبعضها محل وفاق على النحو التالي:
1 ـ أن يتحد الحكم والسبب في الموضعين:
من أمثلته الظاهرة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» (متفق عليه) .
وقوله في حديث ابن عباس بعرفة: «فليلبس الخفين» (متفق عليه) . وليس فيه ذكر للقطع.
فالقاعدة تقتضي أن يحمل المطلق على المقيد باتفاق؛ لاتحاد الحكم والسبب، فالحكم هو لبس الخف لمن لم يجد النعل، والسبب هو الإحرام، ولكن الخلاف وقع من جهة قاعدة أخرى وهي أن المطلق جاء متأخرا عن المقيد، فذهب بعض العلماء إلى أن المطلق إذا تأخر ينسخ المقيد المتقدم، وهذا مذهب الحنفية ورواية عن أحمد.
وذهب بعض العلماء إلى أن المطلق لا ينسخ المقيد سواء تقدم أو تأخر، ويكون المقيد مقدما على المطلق فيقيد به، ولهذا قال بعضهم بوجوب قطع الخفين لمن لم يجد النعلين من المحرمين الذكور. وقال آخرون بعدم وجوب القطع.
ثم حاول كل فريق أن يستدل على رأيه بأدلة أخرى تقوي جانبه، وليس هذا موضع بسطها.
2 ـ أن يختلف الحكم والسبب:
مثاله: لفظ الأيدي جاء مطلقا في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة 38] وجاء مقيدا في قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة 6] والحكم في الأولى القطع، وفي الثانية الغسل، والسبب في الأولى السرقة وفي الثانية الحدث، ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد قولا واحدا.
3 ـ أن يتحد الحكم ويختلف السبب:
مثاله: لفظ الرقبة في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة 3] وقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء 92] .
فالحكم واحد وهو العتق، والسبب مختلف، وهو في الآية الأولى الظهار، وفي الآية الثانية القتل خطأ.