الصفحة 81 من 85

ذهب بعضُهم إلى إيجاب الإعادة، وبعضهم إلى عدم الإيجاب، وفرّق بعضُهم بين مَن كان داخلَ المصر فيُعيدُ، دون مَن كان خارجه.

ومن تلك المسائل: إذا تعارضت فتوى عالمين، فما موقفُ المقلِّد؟

فمَن قال: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، قال: يتخير.

ومَن قال: المصيبُ واحدٌ، قال: يأخذُ بقول الأوثق منهما والأعلم، فإن تساويا فالأورعُ منهما والأتقى، فإن تساويا، سأل ثالثًا.

مثاله: إذا سُئل المفتي عن حكم الإجارة المنتهية بالتمليك، وأفتى بتحريمها، ثم سُئل عنها بعد عامٍ، فهل له أنْ يُفتيَ بما أفتى به سابقًا، أو يجبُ عليه أنْ يُعاودَ النظرَ في المسألة؛ لاحتمال أنْ يظهرَ له دليلٌ لم يكنْ قد ظهر له أولًا؟ وهل يكونُ الحكمُ واحدًا لو نسيَ طريقَ اجتهاده الأول أو ذكره؟

ويخرجُ عن محلّ النزاع إذا وجد ما يستدعي إعادةَ النظر في المسألة.

والراجح أنه إنْ كان ذاكرًا لطريق اجتهاده السابق فلا يجبُ عليه معاودةُ النظر، وإنْ كان ناسيًا وجب عليه معاودةُ الاجتهاد والنظر.

دليله: أن المجتهدَ إذا كان ذاكرًا لدليله السابق، ولم يظهرْ له ما يُعارضه، فهو باقٍ على اجتهاده السابق، ولا يجبُ عليه تجديدُ البحث؛ لأنه لا موجبَ له.

وأما إذا نسيَ دليلَه السابقَ فإنه لو حكم بما حكم به أولًا من غير نظرٍ كان كالمقلِّد؛ لأنه أخذ قولًا لا يعرفُ دليلَه.

والمجتهدُ لا يجوزُ له أنْ يقنعَ بالتقليد مع قدرته على النظر والاجتهاد.

وهذه المسألة من أهمّ مسائل الاجتهاد؛ إذْ يترتّبُ على القول الراجح وجوبُ إعادة النظر في أكثر المسائل التي تحدث بعد تغيُّر الأحوال، لاحتمال أنْ تكونَ المصلحةُ فيها قد تغيّرتْ وتبدّلت.

وهذا يكفلُ للفقه الإسلاميّ التجدُّدَ المستمرَّ وعدمَ الوقوف عند اجتهاد المتقدِّمين.

وإذا عرفنا أن الإجماعَ قائمٌ على أنه إذا وجد دليلٌ جديدٌ، أو تبدّلت الأحوالُ أو الأعرافُ، وجب معاودةُ النظر في المسألة، عرفنا فائدةَ هذه القاعدة، وعرفنا ما يحملُه أصولُ الفقه من قواعدَ تُوجبُ التجديدَ المستمرَّ للفقه.

وينبغي أنْ لا نفهمَ من إعادة النظر والاجتهاد ضرورةَ تغيُّر الرأي في المسألة، بل قد نبقى على الرأي الأول، وقد تزيدُ المكتشَفاتُ الحديثةُ التدليلَ على صوابه.

وقد يُؤدّي معاودةُ النظر إلى ضرورة تقديم الحكم للناس بأسلوبٍ آخَرَ يُناسبُ العصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت