الصفحة 78 من 85

وفي عهد كبار الأئمة كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيّ وأحمدَ أخذت المذاهبُ الفقهيةُ يتميّزُ بعضُها عن بعضٍ، فلم تَعُدْ مدرسةُ الرأي على مذهبٍ واحدٍ، ولا أهلُ الحديث على مذهبٍ واحدٍ، ولم يكنْ أهلُ الرأي معزولين عن الحديث، ولا أهلُ الحديث رافضين للرأي بالكلّيّة.

لقد أكثر الأصوليون الكلامَ في شروط الاجتهاد، فمنهم المتشدِّدُ في الشروط، ومنهم المتساهلُ، ومنهم المتوسِّطُ.

وسأقتصر على ذكر الشروط التي قام الدليلُ على اشتراطها، وهي:

1 -معرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، ومعرفة ما يصِحُّ من تلك الأحاديث وما لا يصِحُّ.

أما الآياتُ والأحاديثُ الدالّةُ بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة، فلا يُشترَطُ معرفتُها، كما لا يلزمُ معرفةُ أكثر من دليلٍ واحدٍ على الحكم، إذا لم تكنْ في الدليل الآخَر زيادةُ حكمٍ تتعلَّقُ بشروطه أو قيوده، ونحو ذلك.

والدليلُ على اشتراط هذا القدر: أن مَن اجتهد قبلَ تحصيله فقد يُخالفُ المنصوصَ عليه في القرآن أو السنة، فيكونُ اجتهادُه باطلًا.

وأما الدليلُ على عدم اشتراط ما زاد على ذلك فهو: أن الصحابةَ كانوا يجتهدون مع غفلتهم عن بعض ما دلّ عليه القرآن بطريق الإشارة أو الالتزام، ولم يكن اجتهادُهم واقعًا ممن ليس أهلًا.

ولما عُرفَ عنهم من أنهم يعذرون المخطئَ إذا لم يكن الدليلُ ظاهرًا قوياّ، ولعلَّ هذا مأخذَ الذين حدّدوا آياتِ الأحكام بخمسمائة آيةٍ.

قال ابن دقيق العيد: «ولعلَّهم قصدوا بذلك الآياتِ الدالةَ على الأحكام دلالةً أوّليّةً بالذات، لا بطريق التضمُّن والالتزام» .

ومما يُؤيِّدُ ما ذكرته أن الإحاطةَ بكلِّ ما في القرآن من المعاني ليس ممكنًا، فلو اشترطنا ذلك لما تمكن أحدٌ من الاجتهاد.

2 -معرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام الواردة في القرآن والسنة:

لأنه لو لم يًعرف ذلك لأفتى بالحكم المنسوخ وعمل به، وهو لازمُ باطلٌ، فيبطُل ملزومُه، الذي هو عدمُ اشتراط ذلك، ويكفي أنْ يعرفَ أن الدليلَ الذي استدلّ به ليس منسوخًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت