وقد اتفق العلماءُ على أن القاضيَ يجب أنْ يعرفَ عاداتِ الناس وأعرافَهم حتى يقضيَ بينهم، ولا يجوز أنْ يقضيَ مَن لا علمَ له بذلك.
الباب السادس
التقليد
أوجب ابنُ حزم على العاميّ أنْ يسألَ المفتيَ عن دليله، فلا يَقبل فتواه إلا إذا ذكر له الدليلَ، أو قال له: إن هذا حكمُ الله جلّ وعلا.
وحينئذٍ عنده أن السائل لا يكون مقلِّدًا، بل متَّبعًا لشرع الله الذي ظهر على لسان المفتي.
وأما ابنُ القيم و الشوكانيُّ فقد اتجه ذمُّهما للتقليد إلى ما يفعله أتباعُ المذاهبِ من الفقهاء الذين يتّبعون مذاهبَ أئمتِهم ولو تبيّن لهم أن الدليلَ قامَ على خلافها! فلهذا حرّموا التقليدَ وشنّعوا على مَن أجازه.
وأما الفريقُ الثاني الذين عرّفوه بأنه: «قَبولُ قولِ الغير من غيِر معرفةِ دليلِه» أو نحو ذلك، فإنهم فرّقوا بين التقليد في أصول الإيمان، والتقليد في الفروع، فمنعوا الأولَ وأجازوا الثاني.
وفيما يلي بيانُ الخلاف المذكور في الموضعين.
محلُّ النزاع: ظنّ بعضُ الأصوليين أن المقصودَ بالأصول مسائلُ الاعتقاد عمومًا.
والصوابُ: أن المرادَ الأصولُ التي يَدخل بها الإنسانُ في الإسلام، وهي: الإيمان بالله جل وعلا، واستحقاقُه العبادةَ وحده، والإيمانُ بصدق رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذه الأصولُ هي التي قال جمهور العلماء: إنها لا يجوزُ التقليدُ فيها، وإنما يجبُ على كلّ مسلمٍ أنْ ينظرَ في أدلّتها حتّى ترسخَ في قلبه، فلا يتزعزعُ إيمانُه بها لأدنى شبهة.
واستدلوا على ذلك بالآيات التي فيها ذمُّ التقليد، كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [البقرة 170] ، وقوله تعالى في معرِض ذمّ المشركين: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف 23] .
وحملوا هذه الآياتِ على ذمّ التقليد في أصل الإيمان.