الصفحة 85 من 85

والذي يظهر: أن الذين أنكروا التقليدَ بمعنى التمذهبِ حملهم على إنكارِه ما رأوه في عصرهم من التعصُّب الممقوت الذي يصدُّ عن الحقّ، ويفرِّقُ الأمةَ.

نقل كثيرٌ من الأصوليين الاتّفاقَ على أن المجتهدَ إذا نظر في الواقعة وتوصّلَ فيها إلى ظنٍّ غالبٍ بحكم الله، لا يجوزُ له أنْ يتركَ ما غلب على ظنه ويعملَ بظنِّ غيره.

وحصروا الخلافَ في المسألة فيما إذا لم ينظرْ في المسألة بعدُ، أو نظرَ فيها ولم يتوصّلْ إلى ظنٍّ غالبٍ.

و الراجح أنه لا يجوزُ له التقليدُ، إلاّ إذا ضاق الوقتُ وحضر وقتُ العمل، ولم ينظرْ أو لم يتبيّنْ له فيها رأيٌ. وهو مذهب ابن سُريجٍ، واختاره ابنُ تيميةَ. وجعله بعضُ العلماء جائزًا باتّفاقٍ في هذه الحالة.

وأما إذا لم يحتجْ للعمل بنفسه، وإنما سُئل عن الواقعة، فليس له أنْ يُفتيَ تقليدًا، بل يدلُّ السائلَ على المفتي أو ينقلُ له فتواه.

سؤالُ العاميّ مَن شاءَ من المفتين:

يجوزُ للعاميّ أنْ يسألَ مَن شاء من المفتين، وله أنْ يسألَ المفضولَ مع وجود الفاضل، عند أكثر العلماء.

واستدلُّوا على ذلك: بالإجماع؛ أخذًا مما عليه الحالُ وقتَ الصحابة والتابعين، فإن العوامَّ كانوا يسألون المفضولَ فيُفتيهم، ولا يأمرُهم بسؤال الفاضل. وقد أفتى ابنُ عباسٍ وابنُ عمر في حياة الخلفاء الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين.

وأوجب بعضُ العلماء على العاميّ البحثَ عن الأعلم والأتقى ليسألَه.

موقفُ المستفتي من اختلاف المفتين:

إذا سأل المستفتي أكثرَ من عالمٍ فاختلفوا، أو اشتهرتْ فتاوى العلماء مع اختلافها، كما هو الحالُ في عصرنا الحالي؛ فإن العوامَّ ربما عرفوا فتوى أكثر من عالمٍ في المسألة الواحدة، فما موقفهم؟ وبم يأخذون؟.

الواجب على المستفتي إذا تعارضت الفتاوى: أنْ يأخذَ بفتوى الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى.

وقال بعضُ العلماء: يتخيّر.

وقال بعضُهم: يعملُ بالأحوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت