حكم المخالف للإجماع:
يكثر في كلام العلماء تكفير مخالف الإجماع أو تفسيقه، ولكن ذلك إنما يحمل على الإجماع الصريح المنقول بطريق التواتر والقطع، وقد قلنا فيما مضى إن هذا النوع من الإجماع غير موجود إلا على مسائل دلت عليها نصوص قطعية، وحينئذ يكون تكفير المخالف أو تفسيقه لمخالفة تلك النصوص لا لمخالفة الإجماع وحده.
والتكفير والتفسيق من الأمور التي يجب أن لا يتعجل فيها المفتي؛ إذ لا يستحقها إلا من أنكر ما علم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، وانقطع عذره، كما هو معلوم في موضعه.
الدليل الرابع
القياس
والقياس ينقسم إلى قياس طرد وقياس عكس، ولكن العلماء حين يعرفونه إنما يعرفون قياس الطرد لأنه الأصل.
والمراد بالطرد هنا: ثبوت الحكم لثبوت الوصف المدعى عليته.
والعكس: انتفاء الحكم لانتفاء الوصف المدعى عليته.
و أحسن ما يعرف به القياس أن يقال:
«هو إثبات مثل حكم الأصل للفرع لتساويهما في علة الحكم» .
الأصل: المقصود به هنا: المقيس عليه، أي: الصورة أو المسألة التي ثبت حكمها بنص أو إجماع، أو اتفق عليه الخصمان المتناظران.
الفرع: المقصود به هنا: المقيس، أي الصورة أو المسألة التي يراد إثبات حكمها بالقياس.
العلة: المراد بها هنا: المعنى الذي ثبت الحكم في المسألة المقيس عليها لأجله، سواء عرف ذلك بنص أو باجتهاد ونظر.
فمعنى التعريف: أن القياس هو تسوية المجتهد في الحكم بين مسألتين: إحداهما ثبت حكمها بنص أو إجماع أو اتفاق من المتناظرين، والأخرى محل خلاف، فيقوم المجتهد بإلحاقها بالأولى المتفق على حكمها لأجل اشتراك المسألتين في الوصف الذي يغلب على الظن أنه علة ثبوت الحكم في المسألة المقيس عليها.
مثال: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البر بالبر مثلا بمثل» الحديث، فقاس جمهور العلماء الذرة على البر، وحكموا بتحريم بيعها بجنسها مع التفاوت في المقدار، ولم يخالف في هذا إلا