من غيره. ومن حمله على العقد مجازا جعل عقد الأب على المرأة يحرّمها، دون الوطء بالزنا. والقاعدة تؤيده؛ لأن المجاز أولى من الاشتراك.
ومثّل القرافي باحتجاج المالكي على بيع الغائب بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة 275] .
فيعترض بكونه مشتركًا بين المحرمة والمباحة، ويجاب بأن إطلاقه على المحرّمة مجاز، والحمل على المجاز أولى من الحمل على الاشتراك.
4 -تقديمُ المعنى الذي لا يحتاج إلى إضمارٍ على المعنى الذي يحتاج إلى إضمارٍ:
مثاله: تقديمُ ابنِ حزمٍ تركَ الإضمار في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة 184] ، ولم يضمرْ (فأفطر) ، كما أضمرَ الجمهور، فالقاعدة تؤيِّدُه، لولا ما نقلوه من النصّ والإجماع على صحّة صوم المسافر إذا صام.
ومن الأمثلة الصحيحة: أن الجمهورَ حملوا حديث: «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه» (رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي سعيد) على أن ذكاةَ أمه تكفي عن ذكاته. والحنفية قالوا لا بدَّ أنْ نُضمر (مثل) ؛ ليكونَ المعنى: مثل ذكاة أمه، وترك الإضمار أولى من الإضمار.
5 -تقديمُ التأسيس على التأكيد:
والمرادُ بالتأسيس: حملُ الزيادة في اللّفظ على زيادة المعنى.
والتأكيدُ: حملُ الزيادة على تأكيد المعنى السابق.
مثاله: إذا قال الرجلُ لزوجته: أنتِ طالقٌ طالقٌ. فهل يُحمَلُ على التأكيد فلا تقعُ إلاّ واحدةً، أو على التأسيس فتقعُ طلقتان. والقاعدة تُؤيِّدُ الاحتمالَ الثاني عند من لا يعتبر النية.
الباب الخامس
الاجتهاد:
في عهد التابعين ازدادت الحاجةُ إلى الاجتهاد؛ لكثرة الوقائع، واختلاطِ المسلمين بأُمم أُخرى.
ولقد تأثّرَ اجتهادُ التابعين باجتهاد مَن تفقَّهوا عليه من الصحابة، فكان أهلُ العراق أكثرَ أخذًا عن ابن مسعودٍ وعلي، رضي الله عنهما. وأهلُ المدينة أكثر تأثُّرًا بابن عمر - رضي الله عنه -.
ونشأ على إثر ذلك ما عُرف بمدرسة أهل المدينة، أو أهل الحديث، ومدرسة أهل العراق أو أهل الرأي.