الصفحة 80 من 85

هذا بالإضافة إلى أن كثيرًا من النوازل لا يعرفُ حكمَها مَن لم تتكونْ عنده ملَكَةٌ فقهيةٌ كاملةٌ، وهي لا تحصلُ بمعرفة بعض المسائل أو الأبواب.

وتظهر ثمرةُ الخلاف: في الاعتداد بقول مَن لم يُحطْ بأكثر الأدلّة، وفي جوازِ فتواه، والعملِ بها من قِبَل العامّة، وانعقادِ الإجماعِ مع خلافه وعدمه.

المصيبُ في مسائل الاجتهاد واحدٌ

الخلاصةُ: أن الكلامَ في مقامين:

الأول: هل يُقال لكلٍّ من المختلفين: إنه مصيبٌ؟

الثاني: هل يأثمُ إذا خالف ما هو الحقّ عند الله؟

فأما في المقام الأول: فإن المسائلَ العلميةَ الخبريةَ لا يُمكنُ أنْ يتعدّدَ الحقُّ فيها، فيكونَ الصوابُ مع كلٍّ منهما؛ إذْ لا يقول عاقلٌ إن اللهَ موصوفٌ بصفة الرحمة، وغير موصوفٍ! وإن اللهَ قد كتب السعادةَ أو الشقاءَ على الإنسان، ولم يكتبها! لوجود التناقُض الممتنع عقلًا.

وعلى ذلك: فإن مَن قال في شيءٍ من مسائل الاعتقاد: إن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، فلا يُحمَلُ قولُه على تعدُّد الحقّ فيها؛ لامتناعه عقلًا، وإنما يُحملُ على أنه معذورٌ في خطئه إذا لم يُخالفْ قاطعًا، وأما إذا خالف قاطعًا من غير تأويلٍ، فإنه يكونُ مقصِّرًا.

والجمهور على تأثيمه إذا خالف دليلًا قطعيًا، وعذرِه إذا خالف ظنّيًّا.

وأما المسائل العملية: فإن كانت قطعية، أي: قام عليها دليل قطعي، فالحق ما قام عليه الدليل؛ إذ لا يمكن مخالفة الدليل القطعي.

وأما العملية الظنية: فإن العقل لا يمنع من تصويب المختلفين فيها. ولذلك اختلفوا فيها أيقال: الجميع مصيبون أم المصيب واحد؟

والثاني أرجحُ، والدليلُ عليه:

أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمّى أحدَ المجتهدَين مصيبًا، والآخَرَ مخطئًا، فقال: «إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ» ، (متفق عليه) ، فسمّاه مخطئًا.

وأما عن المقام الثاني: وهو مقام التأثيم، فإن الجماهيرَ متّفقون على أن كلَّ مجتهدٍ من المسلمين مأجورٌ، إما أجرًا واحدًا، أو أجرين، ولم يُنقلْ خلافٌ في ذلك، إلاّ عن ابن عُليّةَ وبعضِ الظاهرية.

وقد بنى بعضُ العلماء على الخلاف في تصويب المجتهدين اختلافَهم فيمن اجتهد في القبلة فصلى، ثم تبين له أنه صلى إلى غير الجهة الصحيحة، فهل عليه إعادةٌ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت