الصفحة 13 من 99

ذاك عرفت أن النار منبع الحرارة، ولما بالغت مرارة كلماتك على لساني، وأسأتَ إليّ بعد إحساني، ألجأتني إلى الالتفات إلى القول العريض، لأناقض ما جادلتني بشتى الأدلة من الخضر والبيض،

و إنك لتعلم أني من عظماء القوم في بلدنا، وتسلسلت من أسرة أطهر جرثومة، وأطيب أرومة، كان لنا الفضل والوجاهة، والكرامة والنباهة، ولما حل علينا مكر الاستعمار، وطُردنا من الديار، قضيت وقتا في مكابدة خشن الأسفار، وحَرمت على نفسي الرجوع إلى الدار، ثم بعد طول الأمد، وتضاعف الكمد، قصدت العراق، فهبطت فيه بتوفيق منزل الأرزاق، وقد اتفق في ذلك الزمان، أن أستاذك ألبسك خلعة العرفان، ونقلك من أرض الجهل، إلى سماء العلم والمعرفة، فصرت بسببه من العالمين

و إني لأتذكر بهذه الأفكار إذ سقط في قلبي أن أتصل به، لعله يستطيع أن يأتي إليك لإنقاذك، فوضعت هذا الرأي على طاولة التطبيق، وهبطت في ساحته بالتحقيق، فلما حكيت له أمرك، وأوصلت إليه خبرك، وقلت له بجد أتكلم لا اللهو، فقادني إلى البهو، وقال متحيرا، أليس عبد الغفار الذي تخرج من يدي، تقول إنه يكتب الكتب ضدي؟ أليس هو خريج حوزتي، ونائل درجة الاجتهاد من مدرستي؟ قلت هو هو،

فكان مما اتفقنا عليه أنه سيتصل بك للتحقيق، ويراسلك وإن كنت في مكان عميق،

و اعلم أن الشيء الذي أرى آخره خيرا، ويبتعد أن يكون عاقبته ضيرا، وأنسب في هذا المقام، وأصوب لمتابعة الكلام، هو أن تعلم أني شاورته وهو كما تعرف من أهل الفهم، فقبل في إبداء رأيه في هذا المهم، وإنه لكبير السن وشريف، وفي ولادته نظيف، وعارف بلسان العرب، ومن مؤسسي قوانين الأدب، وهو من أصحاب الهمة، وله الصلاحية في هذه الخطة، وهو عاقل وذكي، بل هو في إشاعة الملة جري،

و إنك لتعلم أن مثل ذلك الجدال، لا يتم من يد رجل ذي مال، بل لا بد من يد رجال هم في غابة العلم كالأسد، لا يتقهقرون عن الحق إلى الأبد، ولا يبالون بمدح قوم، ولا يكتم العلم من أجل اللوم،

و إنك لتعلم أيضا أن مثل هذا الجدال يحتاج إلى علم يكفي، وعبقري يتقن العربية وعن جهله بها ينفي، فافهم ذلك وتيقن، أن أستاذك قد فهم الأمر وتبين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت