ويمكن إيجاز مظاهر الطغيان الكنسي المالي في الأملاك الإقطاعية بقول ديورانت [1] :"أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، كما كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافًا للكنيسة. وقد قال المصلح الكنسي"ويكلف"- وهو من أوائل المصلحين:"إن الكنيسة تملك أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف واتهم رجال الدين بأنهم"أتباع قياصرة لا أتباع الله" [2] . كما فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة (العشور) وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على عشر ما تغلُّه الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئًا من ذلك، فالشعب خاضع تلقائيًا لسطوتها [3] . أما الطغيان السياسي فقد بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية والسياسية أوجها، حتى كان باستطاعة البابا أن يتوج الملوك والأباطرة، وأن يخلع تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره.
وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوروبا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني، فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوروبا، وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم.
1 -القسيس"كوبرنيق"أتى والكنيسة آخذةً بنظرية"بطليموس"التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول: إن الأجرام السماوية جميعها تدور حولها. فقال بنظرية مخالفة في كتابه"حركات الأجرام السماوية". فثارت ثورة الكنيسة ضده، وقبل أن يساق إلى محكمة التفتيش أدركته منيته، فحرمت الكنيسة هذا الكتاب. ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
2 -العالم الطبيعي المعروف"جيوردانو برونو"نقمت منه الكنيسة آراءً من أشدها قوله بتعدد العوالم ونادى بنظرية"كوبرنيق"، فقبضت عليه محكمة التفيش، وزجت به في السجن ست
(1) ... ديورانت هو مؤلف كتاب قصة الحضارة، وهو كتاب كبير يقع في 30 مجلدًا، تحدث فيه عن قصة الحضارة منذ فجر التاريخ إلى العصر الحاضر. انظر: مقدمة كتاب قصة الحضارة.
(2) ... انظر: تاريخ أوربا لفيشر (2/ 362 - 364) .
(3) ... المرجع السابق (2/ 380) .