فالحق أن الشرع لم يرد بها وما ورد في المعاجم العربية من معنى للوطن هو منزل الاقامة سواءٌ في القرية أو المدينة التي يعيش فيها الانسان. فالوطن ليس هو إلا محل إقامة الانسان، سواء كانت إقامة دائمية أو مؤقتة، فمدينة طرابلس هي وطنٌ لمن أقام بها ومدينة دمشق هي وطنٌ لمن أقام بها. وكلٌ قلبه متعلقٌ بما استوطن به.
الا أن مصطلح الوطنية إنما ظهر في المجتمع الأوروبي على أثر تطورات فكرية وسياسية هامة أدت إلى إعادة صياغة المجتمعات الأوروبية. وبإيجازٍ نقول إن مفهوم الوطن كونه بلدًا ترتبط فيه جماعةٌ من الناس تتفق أن تلتزم بسيادة الوطن وإطاعة الحاكم، وما يتبعه من أجهزة حكومية، إنما ظهر بعد أن سعى سياسيون وفلاسفة في كسر شوكة الكنيسة، والحدِّ من تدخلها في الحياة العامة في المجتمعات الأوروبية، من هنا تنادى المفكرون إلى ضرورة وضع أسس جديدة تربط بين الناس، لا على أساس الدين والمذاهب الدينية النصرانية التي أدت إلى سفك الدماء، وإنما على الولاء للوطن، وبناءً على هذه النظرية العلمانية، قام المفكرون والفلاسفة أمثال روسو وجون لوك وفولتير ومونتسيكيو بوضع أسس نظرية (العقد الاجتماعي) وهو عبارة عن عقد بين الحاكم والمحكومين بحيث تكون للمواطن حقوق قانونية دستورية على الحاكم أن يحترمها.
يرى الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله، في كتابه الإسلام والحضارة الغربية أن أول ما وردت لفظة «الوطن» إنما جاءت من خلال الأزهري المتفرنس رفاعة الطهطاوي الذي أُشرب حب فرنسا والحضارة الفرنسية حينما أقام فيها من 1826 م الى 1832 م، فلما عاد إلى مصر، عاد يصدح بالحضارة الفرنسية وجمالها، وصار يدندن حول الوطنية، ولعله بدأ بداية خجولة، إلا أنه في الواقع طرح بذرة الفكرة التي جاء غيره من المضبوعين بحضارة الغرب ليكملوا سقيها ورعايتها، ومن هؤلاء بعض نصارى الشام الذين رأوا خلاصهم من حكم الإسلام بالعمل على نشر فكرة القومية والوطنية. قال العلامة ابن تيمية: (كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي: أبدعوى الجاهلية وأنا من بين أظهركم؟ وغضب لذلك غضبًا شديدًا» [1] .
(1) ... ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ص: 17. والحديث رواه البخاري: 4905 ومسلم: 2584 وعندهما: ما بال دعوى الجاهلية؟.