الصفحة 20 من 76

الدعوة الى الدولة المدنية أو الديمقراطية بمرجعية إسلامية: إن «الدولة المدنية» هي مرادف «للدولة العلمانية» ، أي الدولة المنفصلة عن الدين، والتي لا يشكل الدين أساسًا لها، وتقصي الدين عن السياسة والتشريع والحياة العامة وذلك - فيما يزعمون - أنها البلسم الشافي لما هو موجود في المجتمع من تعدد ثقافي وسياسي وعرفي وديني ولحماية الأقليات في كل الدول، أي إننا من أجل حفظ حريات الأقليات غير المسلمة نعطل شرع رب العالمين.

وقد نشأ هذا المصطلح في الفكر الأوروبي في عصر النهضة على يد فلاسفة التنوير في مواجهة ما عُرف «بالدولة الدينية» التي يزعم فيها الحاكم أنه يستمد سلطانه من الله، بناءً على ما يعرف بنظرية «التفويض الإلهي» ، فكانت الدعوة إلى «الدولة المدنية» مقابل «الدولة الدينية» .

ونتيجة لتأثر بعض المنتسبين للإسلام بفلاسفة الغرب ظهرت الدعوة إلى الدولة المدنية، ومن أول من تولى كبر هذه الدعوة علي عبد الرزاق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي دعا فيه صراحةً إلى هدم نظام الإسلام العتيق، وإلى بناء قواعد الملك ونظام الحكم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، ويعني بهم الغرب! وفي ظل الظروف التي يمر بها عالمنا العربي والإسلامي، خصوصًا بعد أحداث ما عُرف بالربيع العربي ظهر مصطلح (الدولة المدنية) ، والدعوة إلى تبنيها، خصوصًا من العلمانيين والعقلانيين ومن لف لفهم، وتأثر بهم من الحركات الإسلامية؛ نظرًا لما اتسم به هذا المصطلح من الغموض، كونه مصطلحًا محتملًا، وأنه قد يساق من خلاله المشروع العلماني المخالف للمشروع الإسلامي، ولأنه لا يصطدم مع العقيدة والشريعة اصطدامًا ظاهرًا كما هو الحال في العلمانية مثلًا. ومن ثم فان الغرب يرضى عن أربابه. ومن هنا كانت الدعوة لـ"الدولة المدنية"هي ذاتها الدعوة للعلمانية ولكن باسم جديد"تجديدًا للعلمانية".

والحقيقة أن كلا المصطلحين «الدولة الدينية» و «الدولة المدنية» لا يجوز أخذهما ولا اعتمادهما للتعبير عن الدولة في الإسلام، وهي الدولة التي أقامها الرسول عليه السلام واستمر فيها المسلمون بعد مئات السنين. فهي ليست «دولة دينية» بالمعنى الاصطلاحي المعاصر، لأن الحاكم لا يستمد فيها سلطانه من الله، وإنما يستمده من الأمة، ولأنها ليست دولة رجال الدين، إذ لا وجود لرجال الدين في الإسلام فالدولة الإسلامية كيان سياسيٌ يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، وترعى شؤون الناس بالشريعة الإسلامية. والحاكم فيها (الخليفة) يستمد سلطانه من الأمة من طريق البيعة، ولا يتمتع بأي تفويض إلهي ولا بأي حصانة من المحاسبة والعقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت