الصفحة 63 من 76

العلمانية من الجانب العقدي تعني التنكري للدين وعدم الإيمان به، وترك العمل بأحكامه، وحدوده، وهذا كفر صريح، وشرك قبيح. والعلمانية في الجانب التشريعي تعني فصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن الحياة كلها، وهذا يعني الحكم بغير ما أنزل الله. والعلمانية من الجانب الأخلاقي تعني: الانفلات والفوضى في إشاعة الفاحشة والرذيلة والشذوذ، والاستهانة بالدين والفضيلة، وسنن الهدى، وهذا ضلال مبين وفساد في الأرض. ومن العلمانيين من يرى أن السنن والآداب الشرعية والأخلاق الإسلامية إنما هي تقاليد موروثة. وهذا تصور جاهلي منحرف [1] . يقول ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : أي فاحكم يا محمد بين الناس: عربهم، وعجمهم، أميهم وكتابيهم بما أنزل الله إليك هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء، ولم ينسخه في شرعك" [2] . واليك تفصيل القضية:"

العلمانية شرك في التوحيد في جانبي الربوبية والألوهية:

فالخلق والأمر من أخص خصائص الربوبية وأجمع صفاتها، كما قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [3] . والأمر في لغة الشارع يأتي بمعنيين:

الأول: الأمر الكوني وهو الذي به يدبر شؤون المخلوقات، وبه يقول للشيء كن فيكون، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [4] .

الثاني: الأمر الشرعي: وهو الذي به يفصل الحلال والحرام، الأمر والنهي وسائر الشرائع، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [5] .

وإذا كانت البشرية لم تعرف في تاريخها من نازع الله في عموم الخلق أو الأمر بمفهومه الكوني فقد حفل تاريخها بمن نازع الله في جانب الأمر الشرعي وادعى مشاركته فيه، فقد حكي لنا القرآن الكريم عن من قال: {سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [6] ورأينا في واقعنا المعاصر دعاة العلمانية وهم يقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة! بل من اجترأ على ربه وقال: إن القوانين

(1) ... انظر: الموجز في الأديان ص 111.

(2) ... تفسير ابن كثير (2/ 72) .

(3) ... الأعراف: 54.

(4) ... يس: 82.

(5) ... السجدة: 24.

(6) ... الأنعام: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت