الصفحة 10 من 76

لقد نشأت العلمانية في الغرب نشأةً طبيعية نتيجة ظروف ومعطيات تاريخية: دينية واجتماعية وسياسية وعلمية واقتصادية. وأهم هذه الظروف والمعطيات التي برزت وأنضجت التجربة العلمانية في الغرب هي:

أولًا: طغيان رجال الكنيسة:

لقد عاشت أوروبا في القرون الوسطى تحت طغيان رجال الكنيسة وهيمنتهم، وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم، وإرضاء شهواتهم، تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، وقد شمل هيمنة الكنيسة النواحي الدينية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمانية، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليث قهرًا، التي عملت دسائس اليهود منذ القرن الأول الميلادي على إدخالها في المسيحية، وحرمت ولعنت مخالفيها. والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية وهي تحلل وتحرم [1] . ونصبت الكنيسة نفسها عن طريق المجامع المقدسة"إلهًا"يُحلُّ ويُحرِّمُ، ينسخ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي كائنًا من كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته؛ لأنه كافر (( مهرطق ) ) [2] . وقد كان الختان واجبًا فأصبح حرامًا، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت التماثيل شركًا ووثنية فأصبحت تعبيرًا عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالًا فأصبح محظورًا وأضافت الكنيسة إلى عقيدة التثليث عقائد وآراء أخرى والتي هي خليط من وثنيات العالم القديم نحو: التعميد والعشاء الرباني وتقديس الصليب وحمله وعقيدة الخطيئة الموروثة وصكوك الغفران والحرمان بل سرعان ما دخلها عنصر جديد فاضح ذلك ما يسمى"الاعتراف"فكان على المذنب أن يعترف بذنبه، في خلوة مع قسيسه؛ ليستطيع هذا القسيس أن يغفر له ذنبه [3] .

(1) ... انظر: كواشف زيوف لعبد الرحمن الميداني ص 23.

(2) ... انظر: العلمانية لسفر الحوالي ص 128، والهرطقة - كما فهمتها الكنيسة إذ ذاك - هي: مخالفة رأي الكنيسة، فرأي يراه عالم في العلوم الكونية هرطقة، ومحاولة فهم الكتاب المقدس لرجل غير كنسي هرطقة، وانتقاد شيء يتصل بالكنيسة هرطقة. انظر: المسيحية، لأحمد شلبي ص 256.

(3) ... المسيحية لأحمد شلبي ص 255، والنصرانية لأبي زهرة ص 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت