ومما يثبت أن «الدولة المدنية» تعني الدولة العلمانية الاستخدامات المعاصرة الشائعة لتعبير «المدني» . ألا ترى أن القضاء المدني هو مقابل القضاء الشرعي، أي قضاء يحكم بالقوانين الوضعية بدل الشريعة الإسلامية؟ والزواج المدني هو مقابل الزواج الشرعي؟ والقانون المدني هو مقابل الشرائع السماوية؟ والتربية المدنية هي مقابل التربية الدينية؟ والمراجع المدنية هي مقابل المراجع الدينية؟ وعليه فإن «الدولة المدنية» هي الدولة التي تطبق تشريعات وضعية شرعت وجعلت أنظمة وقوانين للدولة من خلال موافقة السلطة التشريعية (مجلس النواب أو البرلمان) عليها.
وقد يقول قائل: «إنه يمكن للسلطة التشريعية في الدولة أن تصوت بالموافقة على قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية فتصبح الدولة بهذا الإجراء إسلامية» ، وهذا خطأ فادح، لأن هذا الإجراء لا يجعلها دولة إسلامية، لسببين اثنين:
أولهما: إن هذه التشريعات لم تكتسب شرعيتها بوصفها أوامر ونواهي من الله تعالى يجب الإذعان لها بناء على الإيمان بالعقيدة الإسلامية، وإنما استمدت شرعيتها من ناحية أن السلطة التشريعية المنتخبة هي التي أقرتها، أي باعتبارها تشريعًا من البشر لا من الله تعالى. كما أن بإمكان المجلس الذي أقر هذه القوانين أو الذي يأتي بعده أن ينقضها ويبدلها في أي وقت بتشريعاتٍ أخرى غيرها.
وهذا ما يجعل السيادة للشعب ممثلًا بمجلس النواب بدل أن تكون السيادة العليا للشرع، وبالتالي فإن هذا يكون تحاكمًا إلى الطاغوت لا إلى الشرع. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [1] .
ثانيهما: إنه كما أعطيت هذه السلطة صلاحية أن تستمد بعض القوانين من الشريعة الإسلامية فكذلك أعطيت صلاحية تشريع قوانين أخرى أو استمدادها من غير الشرع، ما يعني التسوية ما بين شرع الله تعالى وما سواه من شرائع البشر، وما يعني أيضًا أن الدولة ستطبق قوانين غير إسلامية إلى جانب تلك المستمدة من الشريعة الإسلامية، ويترتب على ذلك أن الدولة ليست إسلامية لأنها تحكم بغير ما أنزل الله تعالى، قال عز وجل: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [2] .
(1) ... النساء: 60.
(2) ... المائدة: 49.