الصفحة 29 من 76

ومن خلال أدعياء الوطنية ثم تحريف مفهوم الوطن ليطلق الوطن في لبنان على المساحة التي حددها غوروا عام 1020 وعلى العرق والأردن وفلسطين وسوريا ومصر التي أوجدتها معاهدات الغربيين ومؤامراتهم.

وبذلك تصبح الوطنية هي الرابطة التي تجمع الناس الذين يعيشون داخل حدود دولةٍ من هذه الدول، وتفصلهم عن سائر الناس الذين هو خارج تلك الحدود. وبذلك يصبح اللبناني مرتبطا فقط باللبناني ويصبح المصري مرتبطا فقط بالمصري، حتى تنقسم الأمة وتتعدد همومها، ولا تعمل سويًا في سبيل قضيةٍ واحدةٍ هي قضية الأمة، فما يهم الفلسطيني لا يهم اللبناني، ومن أجل تكريس ذلك المفهوم، بثت بين الناس شعارات مضللة خبيثة مثل"الدين لله والوطن للجميع"ومثل نحن ننتمي إلى الوطن قبل أن ننتمي إلى الدين"وغيرهما من الشعارات التي تتعارض مع الاسلام من حيث الأساس. فأين الوطنية من قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [1] ."

الفرق بين الوطن والوطنية: ولكن العجيب في الأمر، أن تجد أناسًا أشربت قلوبهم بالجهالة ينسبون فكرة"الوطنية"إلى الاسلام! فيقولون إن الاسلام حض على الوطنية وعزز الشعور الوطني لدى المسلمين، مستدلين على ذلك بأن الرسول قال حين خرج من مكة:"أنت أحب بلاد الله إلي ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك"، وبأن الاسلام أمر بالدفاع عن الأوطان واعتبر ذلك جهادًا في سبيل الله. ووصل الأمر ببعض دعاة «الوطنية» إلى افتراء الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم كقولهم: (حب الوطن من الإيمان) [2] فهذا ليس بحديث، ولم يقله صلى الله عليه وسلم، ثم إن حب الوطن شيء والوطنية شيء آخر. فحب الوطن شيء طبيعي وغريزي لدى الانسان، ذلك أن قلب الانسان يتعلق بالمكان الذي اعتاد عليه وترعرع فيه وكانت له معه ذكريات جميلة، فهو يحن إلى البيت الذي ترعرع فيه، ويحب الحي أو القرية أو المدينة التي نشأ فيها أو سكنها فترة من الزمن، إلا أنهذا الحب «الغريزي» لا يتعدى القرية أو المدينة أو المنطقة التي عاش فيه الانسان. ولا ريب ان حبنا وحب الآباء للناصرة وصفد وعكا وغيرها من مدن وقرى أهل فلسطين حبٌّ أودعه الله في غرائزنا لأنها مهد الآباء ومواطن الأجداد. ولقد ثبت في الحديث

(1) ... صحيح البخاري، برقم (6011) ، وصحيح مسلم، برقم: (2586) ، واللفظ له.

(2) ... قال الشيخ الألباني: معناه غير مستقيم، إذ إن حب الوطن كحب النفس والمال ونحوه، كل ذلك غريزي في الإنسان، لا يمدح بحبه، ولا هو من لوازم الإيمان، ألا ترى أن الناس كلهم مشتركون في هذا الحب، لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم؟ أنظر: السلسلة الضعيفة الحديث رقم 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت