الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: «باسم الله، تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا» [1] والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاء المحب محبوبه أو أثرًا من آثاره؛ ألم يشف يعقوب ويعود إليه بصره عندما ألقوا عليه قميص يوسف؟! قال الغزالي: والبشر يألفون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحب الوطن غريزةٌ متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتقص. قال الحافظ الذهبي معددًا طائفةً من محبوبات رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكان يحب عائشة، ويحب أباها، ويحب أسامة، ويحب سبطيه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أحدٍ، ويحب وطنه» .
خرج النبي من بلده مكة المكرمة بعد أن لاقى من المشركين أصناف العذاب والأذى ولكن عندما حانت ساعة الرحيل، فاض القلب بكلمات الوداع، وسكبت العين دموع الحب، وعبر اللسان عن الحزن بقوله: «ما أطيبك من بلدٍ! وما أحبك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك» [2] أما المدنية، فهي بلد جديد استوطنه، وشاء الله أن يكون عاصمة دولة الإسلام الناشئة؛ لذلك كان يدعو الله أن يحببها إليه؛ كما في"الصحيحين": «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» [3] . إنه يدعو الله أن يحبب إليه المدينة أكثر من حبه لمكة؛ فحب مكة فطرةٌ؛ لأنها وطنه، أما حب المدينة فمنحةٌ وهبة وقد استجاب الله دعاءه، فكان يحب المدينة حبًا عظيمًا، وكان يسر عندما يرى معالمها التي تدل على قرب وصوله إليها؛ فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته - أي: أسرع بها - وإن كانت دابة حركها قال أبو عبد الله زاد الحارث بن عمير عن حميد حركها من حبها» [4] . قال ابن حجر في الفتح والعيني في عمدة القارئ والمباركفوري في تحفة الأخوذي: (فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين اليه) . فهذا تصريح من هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى بمشروعية حب الوطن.
أما «الوطنية» التي يروج لها مثقفو الحداثة وكتاب الوطية، فهي العلو في حب الوطن، هي التي يريدونلها أن تكون رابطة تجمع سكان الدولة الواحدة وتفصلهم عن سائر إخوانهم في سائر العالم
(1) ... رواه البخاري ومسلم.
(2) ... رواه الترمذي.
(3) ... رواه البخاري ومسلم.
(4) ... رواه البخاري.