الصفحة 65 من 76

نزل قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله" [1] ."

فللاستحلال صورتان:

الأولى: عدم اعتقاد الحرمة، ومرده حينئذ إلى خلل في الإيمان بالربوبية والرسالة، يؤدي إلى كفر التكذيب.

الثانية: اعتقاد الحرمة والامتناع عن التزام هذا التحريم، ومرده في هذه الحالة إما إلى خلل في التصديق بصفة من صفات الشارع كالحكمة والقدرة، وإما لمجرد التمرد واتباع هوى النفس. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة. وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا او اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر هذا؛ لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام" [2] .

العلمانية حكم الجاهلية وعبودية للهوى:

لقد جعل الله طريقين للحكم لا ثالث لهما: حكم الله أو حكم الجاهلية، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [3] . يقول ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: (ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير،

(1) ... ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية: 3/ 367.

(2) ... ابن تيمية: الصارم المسلول لابن تيمية: 521 - 522.

(3) ... المائدة: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت