مقدِّس، ومنه قولُ امرئ القيس:
فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا = كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدِّسِ
وصِبيان النصارى يَتبرَّكون به وبمسح مسحه الذي هو لابِسُه، وأخذ خيوطه منه حتى يتمزَّق عنه ثوبُه، وفضائل بيت المقدس كثيرةٌ، ولا بُدَّ من ذكْر شيءٍ منها حتى يستحسنه المطَّلع عليه.
قال مقاتل بن سليمان في قوله - تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71] ، قال: هي بيت المقدس، وقوله - تعالى - لبني إسرائيل: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ} [طه: 80] ؛ يعني: بيت المقدس، وقوله - تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [النور: 50] قال: البيت المقدس، وقال - تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] هو بيت المقدس، وقوله - تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] البيت المقدس، وفي الخبر: (( لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس ) ).
ويُمنَع الدجال من دخولها، ويهلك يأجوج ومأجوج دونها، وإليها المحشر ومنها المنشر، وتابَ الله على داود بها، وصدق إبراهيم الرؤيا بها، وكلَّم عيسى الناسَ في المهد بها، ورُوِي عن كعبٍ - رضِي الله عنه - أنَّه قال: لا تسموا بيتَ المقدس إيلياء، ولكنْ سموه باسمه؛ فإنَّ إيلياء امرأةٌ بَنَتِ المدينة.
وعن عبدالله بن عمر - رضِي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( فلَمَّا فرغ سليمان من بناء بيت المقدس، سأَل الله حُكمًا يُوافِق حُكمَه، وملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه، فأعطاه الله ذلك ) ).
وعن ابن عباس - رضِي الله عنهما - قال: البيت المقدس بنَتْه الأنبياء وسكنَتْه الأنبياء، ما فيه موضعُ شبرٍ إلا وقد صلَّى فيه نبيٌّ أو أقام فيه ملكٌ.
وعن أبي ذر - رضِي الله عنه - قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي مسجد وُضِع على وجه الأرض أوَّلًا؟ قال: (( المسجد الحرام ) )، قلت: ثم أي؟ قال: (( البيت المقدس، وبينهما أربعون سنة ) ).