الصفحة 127 من 206

يُعطله ولا يُلغيه، فالإنسان في القرآن هو الروح والجسد وهما ملاك الذات الإنسانية، تتم بهما الحياة ولا تنكر أحدهما في سبيل الأخرى، ولا يجوز للمؤمن بالكتاب أن يبخس للجسد حقًا ليوفي حقوق الروح، ولا يجوز له أن يبخس للروح حقًا ليوفي حق الجسد، والقرآن الكريم ينهي عن تحريم المباح كما ينهي عن إباحة المحروم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) } (المائدة:87 ــ 88) .

والإنسان في عقيدة القرآن هو الخليفة المسئول بين جميع ما خلق الله، وذُكِّرّ فيه بغاية الحمد وغاية الذم في الآيات المتعددة وفي الآية الواحدة، فلا يعني ذلك أنه يذم ويحمد في آنٍ واحد، وإنما معناه أنه أهل للكمال والنقص بما فُطِر عليه من استعداد لكل منهما فهو أهلٌ للخير والشر لأنه أهل للتكاليف، ولذلك فقد منحه الله فرصة التميز والاختيار ليقوم بتبعته الفردية ويتحملها، وحذره القرآن من عدوه اللدود ألا وهو الشيطان المريد، وأكد القرآن التحذير حتى لا يبقى للإنسان عذر يعتذر به إذا وقع في شراك هذا الشيطان، وذلك ليتم له التمكين في الأرض من إقامة شرع الله فيها، وأن يبتغي فيها معيشته ويتخذ فيها زينته، لتتم بها عدته، ولا يزهد في شيء من خيراتها ما دام طيبًا تخرجه له الأرض بإذن الله، وتكون هذه الزينة للعبادة واجبة، فليس السعي في سبيل الدنيا ضلالًا عن سبيل الآخرة، فليس في القرآن فِصام بين روح وجسد، أو انشقاق بين عقل ومادة أو انقطاع بين سماء وأرض، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت