ولا سبيل إلي معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين، فقد كان القرآن ينزل في زمانهم وهم يشاهدون الوحي والتنزيل والمكان والزمان وأسباب النزول عيانًا، وليس بعد العيان بيان، وهذا ما كان يقصده سيدنا عبد الله بن مسعود حين يقول:
(والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) .
والعلم بالمكي والمدني وإن لم يكن منصوصًا عليه توقيفًا ولا مطلوبًا في تحصيله بنص إلا أنه من بين علوم القرآن اللازمة لبيانه وتفسيره والوقوف على مقاصده، بيد أن السيوطي قد نقل في الإتقان عن أبي القاسم النيسابوري في كتابه"التنبيه على فضل علوم القرآن"كلامًا في لزوم معرفته، فيقول: (إن أشرف علوم القرآن علم نزوله، وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكيّ، وما نزل بمكة من أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حُمِلَ من مكة إلى المدينة، وما حُمِلَ من المدينة إلى مكة، وما حُمِلَ من المدينة إلى أرض الحبشة، وما أُنْزِلَ مجملًا، وما نزل مفصَّلًا، وما اختلفوا فيه فقال