عصَوُا الرسول: معناه: خالفوا أمره ولم يتبعوا سنته، وإلا كيف تكون المعصية؟!
(4) قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .
-قال ابن كثير [1] : قال مجاهد وغيرُ واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر من الله تعالى؛ فإن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله.
-وقال القرطبي [2] : فأمر تعالى برد التنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفةُ كيفية الرد إلى الكتاب والسنَّة.
وقال أيضًا في قوله تعالى: {وَالرَّسُولِ} دليل على أن سنَّته يعمل بها ويمتثل ما فيها.
وقال أيضًا: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ؛ أي: ردُّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله وإلى رسوله؛ بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنَّته بعد وفاته، وهذا قول مجاهدٍ والأعمش وقتادة، وهو الصحيح.
-وقال الفخر الرازي [3] : فثبَت أن قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] يدلُّ على وجوب متابعةِ الكتاب والسنَّة.
-وقال ابن حزم في الإحكام [4] : فوجدنا الله تعالى يردُّنا إلى كلام نبيه صلى الله عليه وسلم، فلم يسَعْ مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبرِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما مَن فعله مستحلًّا للخروج عن أمرهم، ا وموجبًا لطاعة أحد دونهما - فهو كافرٌ، لا شك عندنا في ذلك.
-ثم لعلك تلاحظ معي - أخي الكريم - أن هذه الآية الكريمة قالت: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] كررت لفظ {أَطِيعُوا} مع الله ومع الرسول، ولم تكرره مع أولي الأمر، وكذلك الآية السابقة في سورة آل عمران لم تكرر الطاعة لله وللرسول، ولم تكرر لفظ الطاعة، فقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32] ؛ فهل تعرف
(1) تفسير ابن كثير 1/ 685.
(2) تفسير القرطبي 5/ 165.
(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي 5/ 148.
(4) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 8/ 89.