الفارق بين الآيتين؟ وهل تكرار لفظ الطاعة في آية وحذفها من الأخرى عبثًا؟ تعالى الله عن ذلك، ولكن أقول: الآية الأولى لم تكرر لفظ الطاعة؛ لتخبرنا أن الأمر واحد من الله ومن الرسول؛ فطاعة الرسول هي عين طاعة الله.
-أما الآية الثانية فكررت لفظ الطاعة؛ لتخبرنا أن هناك أمرين: أمر لله، وأمر مستقل للرسول؛ فيجب طاعة الله، وطاعة الرسول مستقلة بذاتها، ولم يتكرر لفظ الطاعة مع أولي الأمر؛ لأن طاعة أولي الأمر مرتبطة بطاعة الله والرسول، وليست لهم طاعة مستقلة، ويدل على ذلك ما جاء في سورة (النور) من إفراد الرسول بالطاعة، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] ، فهذه الآية ذكرت طاعة الرسول ولم تذكر طاعة لله، كأن الأمر هنا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذًا فهناك طاعة لله وللرسول، كما أن هناك طاعة مستقلة للرسول فيما أمر، وإلا لكان من المنطق أن تأمر الآية بطاعة الله ولا تذكر طاعة الرسول.
(5) قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
قال ابن كثير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكِّم الرسولَ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا؛ ولهذا قال: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ؛ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكَمْتَ به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة [1] .
(6) قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] .
-قال القرطبي: أعلَمَ اللهُ أن طاعةَ رسوله طاعةٌ له [2] .
-وقال الفخر الرازي: قال الشافعي في الرسالة في باب الطاعة للرسول: إن قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] يدلُّ على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبيَّنًا في
(1) تفسير ابن كثير 1/ 687.
(2) تفسير القرطبي 5/ 185.