فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 156

أقول: ينبغي أن نفرق بين أمرين: (التحمل والأداء) التحمل: معناه أن يسمع الصحابي الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأداء: معناه تبليغ وتأدية هذا الحديث لغيره.

فلا شك أن أبا بكر وعمر وغيرهما قد تحملوا وسمعوا من النَّبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة جدًّا، لكنهم لم يؤدوا كل ما سمعوه، وإنما أدَّوْا وبلغوا ما استطاعوا تبليغه، وهو هذا العدد القليل من الأحاديث؛ لأسباب، منها على سبيل المثال:

أن أبا بكر وعمر بعد موت النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يتفرغا لرواية الحديث كأبي هريرة، وإنما انشغلا بالحكم والخلافة، خاصة بعد موت النَّبي صلى الله عليه وسلم انشغلا بتجهيز جيش أسامة، وحروب الردة، وفتح البلاد شرقًا وغربًا، ومصالح المسلمين ورعايتهم، فلم يتفرغوا لرواية الحديث، وإنما انشغلا بمصالح البلاد والعباد، وتركوا التفرغ للعلم لغيرهم، من مثل أبي هريرة وعائشة وأنس بن مالك وعبدالله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبدالله وأبي سعيد الخدري وابن مسعود وغيرهم ممن اشتغل بالعلم ورواية الحديث، وترَك الخلافة والولاية لأهلها.

كما أنه من الأسباب أيضًا: أنهما توفيا بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بقليل؛ فأبو بكر توفي بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وعمر بثلاثة عشر عامًا، أما أبو هريرة فعاش بعده ما يقرب من ثمانية وأربعين عامًا؛ حيث توفي سنة 58 هـ، مما أتاح له فرصة أكبر لرواية ما سمع.

إذًا، نخلص في النهاية إلى هذه النتيجة: أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم قد سمعوا الكثير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لانشغالهم بمصالح المسلمين لم يتمكنوا من تبليغ كل ما سمعوا.

أما أبو هريرة وغيره كعائشة وأنس ومن ذكرنا آنفًا، فقد تفرغوا للعلم؛ فروَوْا أكثر من غيرهم.

بالمثال يتضح المقال: (لو فرضنا أن طالبين تخصصا في مادة التاريخ في الدراسة، وكان أحدهما متفوقًا عن الآخر، وبعد تخرجهما عُين المتفوق في شركة والده للمقاولات وترك مجال دراسته، والآخر الأقل تفوقًا لم يجد له عملًا إلا التدريس، فعُين مدرسًا لمادة التاريخ، فهذا تمكن من تعليم الطلاب، والآخر المتفوق لا، فهل يعني هذا أن المتفوق أقل علمًا؟ أم أنه لم تتح له الفرصة ليبلغ ما تعلم بخلاف الآخر الذي انشغل بالعلم؟) .

إذًا، فأبو بكر وعمر أعلم من أبي هريرة، لكن أبا هريرة أتيحت له الفرصة ليبلغ، بخلاف أبي بكر وعمر.

وفي النهاية، كما وعدتك - أيها القارئ الكريم - أذكر لك نبذة يسيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ لتعرف هذا الصحابي الجليل والجبل الأشم؛ لتدعو له أن يجزيه الله خير الجزاء عما حفظ للمسلمين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يمتلئ قلبك بحبه، وتدافع عنه بحياتك؛ لأن الدفاع عنه دفاع عن السنَّة، والدفاع عن السنَّة دفاع عن الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت