اشترط البخاري شرطًا قويًّا لقبول الحديث ووضعِه في كتاب مع باقي شروط الحديث الصحيح الخمسة كما ذكرنا قبل ذلك.
فاشترط البخاريُّ ضرورة اللقاء بين الراوي ومن روى عنه وأن يثبت اجتماعهما معًا.
ولتوضيح هذا الشرط نقول: اكتفى الإمام مسلم وبعض العلماء بالمعاصرة بين الراوي ومَن روى عنه مع إمكان اللُّقيِّ، بمعنى لو أن الراوي ثقة عدل ضابط وقال: عن فلان، وهو في سن تسمح له بالسماع منه، ويكونان قد وُجِدا معًا في بلد واحد، فيقول الإمام مسلم: ما دام الراوي عدلًا ثقة ووجد هو وشيخه في بلد واحد وفي زمن واحد، فهذا دليل على أنه سمع منه.
أما البخاري فيرى أنه لا بد من ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه الذي روى عنه، ولا يكتفي بمجرد المعاصرة بينهما.
طريقته في الكتاب:
الإمام البخاري لم يهدف فقط إلى جمع الحديث الصحيح وتمييزه عن الضعيف، بل كان يهدف إلى استخراج الفوائد والأحكام الفقهية من الحديث؛ لذلك نجده يكرر الحديث أكثر من مرة في أكثر من مكان، حسب الفوائد التي يستخرجها من الحديث.
فكلما استخرج فائدة وضع لها ترجمة (أي عنوانًا) ، وذكر تحت هذه الترجمة الحديث.
وقد جمع هذه التراجم (العناوين) للأحاديث بين قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين.
والإمام البخاري رحمه الله كان ينتقي الأحاديث بكل دقة وعناية، ليس اختيارًا عشوائيًّا، بل كان يضع كل حديث في موضعه بحكمة تامة.
كيف بدأ الكتاب وكيف ختمه؟
على سبيل المثال ليتضح الأمر: أول حديث في البخاري حديث (إنما الأعمال بالنيات) ، هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه سبع مرات، في كل مرة يستخرج فائدة وترجمة غير المرة التي قبلها.
على سبيل المثال: في الحديث السابق نجد أن البخاري رواه عن أكثر من شيخ له، بدأ أول رواية عن الحميدي، وقدمه على غيره من شيوخه؛ لأن الحميديَّ قُرَشي، ومن السنَّة تقديم قريش على غيرها، فبدأ البخاري بالحميدي؛ لأنه قرشي.
ثم في المرة الثانية ذكره من طريق مالك؛ لأن مالكًا مدني، فبدأ بالقرشي، ثم بالمدني.
مما يعني أنه كان يضع الحديث في موضعه لحكمة، وليس لمجرد الجمع.