الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعُرِفَ فضله، وخطبه السلطان منفق سوق العلم والأدب أبو عنان [1] فارس بن علي بن عثمان، واستقدمه واستحضره بمجلس المذاكرة فعرف حقه وأوجب فضله واستعمله في الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظُم عليه حمل الخاصة من طلبة الحضرة لبعده عن حُسْن التأنّي، وشفوفه بثقوب الفهم وجودة الإدراك، [2] فأغروا به السلطان إغراء عضده ما جُبِل عليه عندئذ من إغفال التحفظ مما يريب لديه، فأصابته شدّة تخلصه منها أجله، كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، وهناة جواره وإحدى العواذل لأَولى الهوى في القول بفضله واستأثر به الاعتقال [3] باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصّبر وعدم الخشوع وإهمال التوسل [4] وإبادة المكسوب في سبيل النفقة، والإرضاخ على زمن المحنة، وجار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر
(1) أبو عنان فارس ابن أبي الحسن علي: انقلب على والده و استولى على السلطة وحكم بين سنتي 749 - 759 هـ (1348 - 1358 م) .
(2) عبّر ابن خلدون عن غضاضته من هذا المنصب، إذ لم يسمح له بالوصول إلى الوجاهة التي كان يطمح إليها، فيقول: « ... ونظمني -أبو عنان- في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه، ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره منّي، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي.» (7/ 534)
(3) إن عدم رضا ابن خلدون عن منصب كتابة العلامة لدى السلطان الحفصي، وكرهه منصب كاتب السلطان المريني وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، دليل واضح على طموح كبير. لذلك سعى للبحث عمّا هو أفضل بربط العديد من العلاقات مع مختلف الشخصيات المرموقة سواء بالبلاط المريني أو خارجه. ومن بينها علاقته بأحد أمراء العائلة الحفصيّة، أبو عبد الله محمد بن أبي زكرياء الحفصي؛ عمّه هو أبو العبّاس أحمد الذي سيصبح سلطان إفريقيّة بتونس في فترة لاحقة (771 - 796 ه/1370 - 1394 م) . كان أبو عبد الله أميرا على بجاية وعنّابة قبل انقلاب أبي عنان على والده أبي الحسن، وعندما استولى الابن على السلطة بفاس، زحف على بجاية واعتقل أميرها الحفصي ووضعه تحت الإقامة الجبريّة وولّى مكانه عمر بن علي الوطّاسي، لكن أهل بجاية ثاروا ضدّ أميرهم الجديد ممّا أثار حفيظة أبي عنان الذي شكّ في العلاقة القائمة بين ابن خلدون والأمير الحفصي، فأودعهما السجن في شهر صفر سنة 758 (فيفري 1357) وقضى ابن خلدون سنة وتسعة أشهر في حبسه، إذ لم يقع الإفراج عنه إلاّ إثر مقتل السلطان في شهر ذي الحجّة سنة 759 (نوفمبر 1358) .
(4) هذا المعطى الذي أورده ابن الخطيب هنا غير صحيح، لأن ابن خلدون يعترف في التعريف بتوجيه قصيدة استعطاف للسلطان أبي عنان حتى يخلي سبيله. هذه القصيدة لا يورد منها ابن خلدون إلاّ خمس أبيات (7/ 539) وهي عدد 1 و 2 و 3 و 8 و 9 التي نجدها لدى ابن الأحمر في كتابه"نثير الجمان في شعر من نظمني وإيّاه الزمان."حيث يقول: «وحين كان في سجن أمير المؤمنين ... بعث من السجن لأبي عنان في العشر الأول من شعبان عام 759 قصيدة رائقة من نظمه يستعطفه بها، وكان له في السجن ثمانية عشر شهرا ... وقصيدته المذكورة هي: ... » (نثير الجمان في شعر من نظمني وإيّاه الزمان، ص، ص 298. (، وتظم القصيدة 107 أبيات، حسب ابن الأحمر، لكن ابن خلدون نفسه يشير إلى طولها قائلا: « ... وهي طويلة، نحو مائتين بيتا، ذهبت عن حفظي.» (7/ 539) .